المؤلهة من الفلاسفة هم: الذين يقولون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله، وهم كثير من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في تصوراتهم وعباراتهم عن الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله وسنذكر قولهم بشيء من التفصيل لأهميته وخطورته.
_________________
(١) لا يعني قولنا «المؤلهة» سوى أنهم يثبتون وجود موجود أعلى قد يعزون إليه ترتيب الموجودات الأخرى أو إيجاده منها آلهة أخرى.
[ ٢١٣ ]
المطلب الأول: أقوالهم بالنسبة إلى وجود الله ﷿ وصفاته
القول الأول: قول سقراط (^٢): يُؤْثر عن سقراط أنه أثبت صانعًا مدبرًا فوق الآلهة الأخرى، والآلهة الأخرى هي أدوات يستعين بها في صنع هذا الوجود (^٣).
القول الثاني: قول تلميذه أفلاطون (^٤): الذي يذهب إلى أن الله روح عاقل، محرك، جميل، خير، عادل، كامل، وهو بسيط لا تنوع فيه، ثابت لا يتغير، صادق لا يكذب، ولا يتشكل أشكالًا، وهو في حاضر مستمر (^٥).
_________________
(١) سقراط، ولد نحو ٤٧٠ وتوفي ٣٩٩ ق. م من كبار فلاسفة اليونان، جعل محور فلسفته الإنسان نفسه، ودراسة تصرفاته، اتهم بالكفر بآلهة اليونان، فحكم عليه بالإعدام، فمات بالسم. انظر: الموسوعة الفلسفية (ص ٢٤٤)، والمنجد في الأعلام (ص ٣٥٨).
(٢) موسوعة الفلسفة (١/ ٥٧٩).
(٣) أفلاطون، ولد نحو ٤٢٧ وتوفي نحو ٣٤٧ ق. م من مشاهير فلاسفة اليونان، وهو تلميذ سقراط ومعلم أرسطو. الموسوعة الفلسفية (ص ٥٢)، والمنجد في الأعلام (ص ٥٤).
(٤) انظر: في سبيل موسوعة فلسفية (ص ٤٨ - ٤٩)، موسوعة الفلسفة (١/ ١٧٤).
[ ٢١٣ ]
القول الثالث: قول تلميذه أرسطو (^١): الذي زعم أن الله جوهر أزلي، وهو عقل ليس جسمًا، وليس له مكان، وهو حي ليس بميت، أوحد ليس بمنقسم، محرك لا يتغير ولا يتحرك، وإنما هو محرك لغيره بمعنى أن الأشياء تتحرك به على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه (^٢).
القول الرابع: أفلوطين (^٣): يزعم أن الله جل وعلا هو الأول الواحد المبدع اللامتناهي وأنه لا يوصف بأي صفة من الصفات كائنة ما كانت، فهو عنده الشيء الذي لا صفة له، ولا يمكن أن ينعت ولا يمكن أن يدرك، وهو الغني المكتفى بذاته، البسيط أي غير المركب لا يقبل التجزئ (^٤).
بيان بطلان تلك المقالات:
الأقوال السابقة لمؤلهة الفلاسفة يتبين منها أنهم يثبتون إلهًا أعلى يتفقون على إثبات وجوده وجودًا مطلقًا وعلى نفي وصفه بأي صفة ثبوتية، ونفي الحركة عنه، ويمكن أن يقال: إنهم يعتبرونه تعالى عن قولهم: عقل مجرد، أوحد لا ذات له، ولا حركة، ولا تغير وإنما يحرك غيره على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه.
_________________
(١) أرسطو طاليس ولد نحو ٣٨٤ وتوفي نحو ٣٢٢ ق. م، وهو أشهر فلاسفة اليونان وأكثرهم تأثيرًا فيمن بعدهم وهو مربي الأسكندر المقدوني وتلميذ أفلاطون. انظر: الموسوعة الفلسفية (ص ٣٥) والمنجد في الأعلام (ص ٣٤).
(٢) انظر: أرسطو المعلم الأول (ص ٩٦ - ١٠٠)، في سبيل موسوعة فلسفية لمصطفى غالب ص ٤٢ - ٤٣، موسوعة الفلسفة (١/ ١٠٤)، الموسوعة الفلسفية (ص ٣٨).
(٣) أفلوطين، ولد نحو ٢٠٥ م وتوفي ٢٧٠ م، وهو فيلسوف مصري متأثر بأفلاطون، وتعزى إليه مع آخرين الأفلاطونية الحديثة، وكان يسعى في فلسفته للتوفيق بين المعتقدات الدينية والفلسفة اليونانية، وكان له تأثير كبير على النصرانية. الموسوعة الفلسفية (ص ٥٧)، المنجد في الأعلام (ص ٥٦).
(٤) موسوعة الفلسفة (١/ ١٩٩).
[ ٢١٤ ]
القول الثالث: قول تلميذه أرسطو (^١): الذي زعم أن الله جوهر أزلي، وهو عقل ليس جسمًا، وليس له مكان، وهو حي ليس بميت، أوحد ليس بمنقسم، محرك لا يتغير ولا يتحرك، وإنما هو محرك لغيره بمعنى أن الأشياء تتحرك به على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه (^٢).
القول الرابع: أفلوطين (^٣): يزعم أن الله جل وعلا هو الأول الواحد المبدع اللامتناهي وأنه لا يوصف بأي صفة من الصفات كائنة ما كانت، فهو عنده الشيء الذي لا صفة له، ولا يمكن أن ينعت ولا يمكن أن يدرك، وهو الغني المكتفى بذاته، البسيط أي غير المركب لا يقبل التجزئ (^٤).
بيان بطلان تلك المقالات:
الأقوال السابقة لمؤلهة الفلاسفة يتبين منها أنهم يثبتون إلهًا أعلى يتفقون على إثبات وجوده وجودًا مطلقًا وعلى نفي وصفه بأي صفة ثبوتية، ونفي الحركة عنه، ويمكن أن يقال: إنهم يعتبرونه تعالى عن قولهم: عقل مجرد، أوحد لا ذات له، ولا حركة، ولا تغير وإنما يحرك غيره على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه.
_________________
(١) أرسطو طاليس ولد نحو ٣٨٤ وتوفي نحو ٣٢٢ ق. م، وهو أشهر فلاسفة اليونان وأكثرهم تأثيرًا فيمن بعدهم وهو مربي الأسكندر المقدوني وتلميذ أفلاطون. انظر: الموسوعة الفلسفية (ص ٣٥) والمنجد في الأعلام (ص ٣٤).
(٢) انظر: أرسطو المعلم الأول (ص ٩٦ - ١٠٠)، في سبيل موسوعة فلسفية لمصطفى غالب ص ٤٢ - ٤٣، موسوعة الفلسفة (١/ ١٠٤)، الموسوعة الفلسفية (ص ٣٨).
(٣) أفلوطين، ولد نحو ٢٠٥ م وتوفي ٢٧٠ م، وهو فيلسوف مصري متأثر بأفلاطون، وتعزى إليه مع آخرين الأفلاطونية الحديثة، وكان يسعى في فلسفته للتوفيق بين المعتقدات الدينية والفلسفة اليونانية، وكان له تأثير كبير على النصرانية. الموسوعة الفلسفية (ص ٥٧)، المنجد في الأعلام (ص ٥٦).
(٤) موسوعة الفلسفة (١/ ١٩٩).
[ ٢١٥ ]
٤ - أن الفلاسفة لم يتوقفوا في نظرهم ومحاولتهم التعرف على خالق هذا الكون بالنظر إلى المخلوقات الظاهرة أمام أعينهم فيهديهم ذلك إلى كمال وجلال موجدها وخالقها، وإنما راحوا يبحثون في أصل مادة الكون وعلة وجوده، ومباحث أخرى تبع لذلك مبنية على الظن والتخمين وبنوا على ذلك الخرص والتخمين، وصف لله ﷿ ومعرفته، مع أن معرفة أصل الأشياء ومادتها الأولية فيه صعوبة بل عسر، أما ما بعد عنا كالكواكب والسموات وما غاب عنا من المخلوقات فمعرفته أقرب إلى المستحيل، فيكون إدراج ذلك كله في قضية واحدة مع المشاهد المحسوس من الخلق خلفًا وخطأً كبيرًا.
٥ - إن إثبات وجود الله ﷿ ضرورة من الضروريات بل هو من أوجبها وألزمها وأوضحها، ولا ينكر وجوده جل وعلا إلا مكابر جاحد لأن مما هو مستقر في الفطر وبدهي في العقل أن كل موجود لا بد له من موجد، ولا بد أن يصل التسلسل إلى نهاية وإلا كان باطلًا والتسلسل في الوجود موصل إلى نهاية وهو الله ﵎، وهذا لا يخالف فيه إلا شذاذ ملاحدة الفلاسفة. (^١) وهنا نقول كما أن الله ﵎ وجوده ضروري، فكذلك إثبات صفاته تعالى ضروري لعدة أمور:
أ- إن وجوده موجب لإثبات صفاته، لأن كل موجود لابد أن يكون له صفات، فإذا لم يكن له صفات فهو المعدوم، والمعدوم ليس شيئًا موجودًا بل هو كاسمه ليس بشيء.
فلا يفرق بين الموجود والمعدوم إلا بوجود الصفات في الموجود وانتفائها عن المعدوم.
_________________
(١) انظر الشهرستاني في نهاية الأقدام في علم الكلام ص ١٢٨، الآمدي في غاية المرام ص ٩.
[ ٢١٦ ]
ب- إن كل موجود إنما يتميز عن غيره بالصفات الخاصة به، فالبشر يتميزون فيما بينهم بالصفات وهكذا سائر المخلوقات، وهي وإن كان بينها تماثل من وجه في تلك الصفات إلا أن بينها تمايزًا ظاهرًا فكذلك الخالق ﵎ يتميز عن البشر بالصفات التي تميزه عن المخلوقات تميزًا ظاهرًا.
ج- إن إثبات التمايز وعدم التماثل بين الخالق والمخلوق ضروري، كإثباتنا لوجوده وصفاته، لأنه وإن كان البشر وسائر المخلوقات تتصف بصفة الوجود، والخالق ﵎ متصف بذلك إلا أن الفرق بين الوجودين ظاهر واضح، فوجود كل موجود سوى الله ﷿ محدود له بداية، كما أنه يستمد وجوده من إيجاد الله ﵎ له، أما الله ﵎ فلا بداية لوجوده ولا يستمد وجوده من أحد سبحانه فهو الفرد الصمد وهو الأول والآخر. فعلى هذا لابد أن يكون له من الصفات أكملها وأعلاها مما لايماثله فيها أحد من مخلوقاته.
د- إن وجود المخلوقات موجب لوجود الصفات للخالق لأنه لا يمكن بحال أن توجد هذه المخلوقات مع ما هي عليه من حسن الخلق وعجيب الصنع وبديع النظام، ممن هو فاقد للصفات، فلا بد من إثبات الصفات بموجدها حتى يصح نسبة الإيجاد إليه، وعزو الفلاسفة الإيجاد إلى أشياء في زعمهم صدرت عن الله مثل النفس الكلية والعقل وما إلى ذلك إنما هو خرافة لأنه لا يمكن أن توجد النفس الكلية التي تفعل وتوجد أو تدبر وتتصرف والأصل الذي صدرت عنه فاقد لذلك، فمن أين لها أن توجد لنفسها الصفات التي تؤهلها للفعل والتدبير ما لم يكن أصلها يملك ذلك.
هـ- إذا أثبتنا أن دعوى النفس الكلية أو العقل الأول وما إليها خرافة من خرافات الفلاسفة وأن الموجد هو الله ﵎ وحده، فإن كل فعل دليل على صفات فاعله، فإنا نستدل على كمال عقل الإنسان وقوة ملكاته بما يصنع من مصنوعات.
[ ٢١٧ ]
فكذلك ولله المثل الأعلى بالنسبة لله ﷿ فإن هذه المخلوقات بما فيها من بديع الصنع ودقيق التركيب وحسن النظام دليل على أن موجدها لابد أن يكون له كل صفات الكمال والجلال حتى يتأتى إيجاد هذه المخلوقات بهذه الصفة العجيبة، لأن من البدهي أننا لا يمكن أن نسند صنع الطائرة إلى رجل معتوه أو عاجز فضلًا عن أن نعزو وجودها إلى ميت أو جماد أو إلى ما لا وجود له حقيقي كما هو زعم الفلاسفة بإثبات الوجود المطلق لله وهو وجود ذهني لا حقيقة له في خارج الذهن.
فهذا كله مما يمنعه العقل ويحيله بل يوجب أن يكون تناسب بين الفعل والفاعل من ناحية الصفات، فالفعل العظيم يدل على فاعل عظيم، والفعل الحقير يدل على فاعل ضعيف، فهذه السماوات والأرضين وهذه المخلوقات ظاهرها وخفيها جليلها ودقيقها دليل على أن خالقها مستحق لكل صفات الكمال والجلال والعظمة.
٦ - أن ما ذكره الفلاسفة في وصفهم لله ﵎ كلام فاسد، لايعدو أن يكون إثباتًا لشيء ليس هو بشيء وذلك يتضح من وجوه:
أولًا: قولهم: إن الله ﵎ عقل، ذلك يعني أن الله فكر أو فكرة أو شيء معقول أو يَعْقِل ويُعْقَل، وهذا كله إثبات لمعنى بدون ذات، وهو أمر لا يعقل ولا يفهم، إنما المفهوم منه أنه لا ذات له جل وعلا، وكل ما لا ذات له لا وجود له، أو لا وجود له بنفسه، بل يكون قائمًا في غيره أو صادرًا عن غيره مثل الأفكار والكلام فهي معاني وصفات تقوم بغيرها ولا تقوم بنفسها، والفلاسفة ينفون أن يكون الله قائمًا بغيره أو صادرًا عن غيره، فيكون مرادهم أنه لا ذات له، وهذا نفي لوجوده وهو قول يتناقض تمامًا مع دعوى وجوده ودعوى صدور العالم عنه كما سيأتي. فيتفقون بذلك مع الملاحدة منهم وهم نفاة وجود الله ﵎.
[ ٢١٨ ]
ثانيًا: قولهم بأنه واحد أو أوحد مرادهم به: أنه واحد من كل وجه بحيث لا يوصف بغير الواحدية أو الأحدية وهذا نفي لصفاته، وهو نفي لوجوده أيضًا، لأن كل موجود لا بد أن يوصف بالصفات كما سبق أن بينا، فإذا انتفت عنه الصفات فذلك نفي لوجوده، لأن إثبات وجود الشيء إنما هو إثبات لصفاته، فلا يمكن أن يكون موجودًا لا صفة له، لأنك حين تقول: لا صفة له، فذلك يعني أحد أمرين:
إما أنك غير قادر على التعبير عن صفاته بالعبارات الصحيحة، مثل قول النبي ﷺ عن سدرة المنتهى: "فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها" (^١). وهذا ما لا يقصده الفلاسفة.
والمعنى الآخر الذي يقصدونه: أنه لا صفة له في نفس الأمر يمكن أن تذكر أو يعبر عنها بعبارة، وحقيقة هذا أنه مثل قولك لا وجود له، لأن ما لا صفة له هو المعدوم الذي لا وجود له، وهذا يتنافى مع العقل، ولازم أخذهم بالعقل يوجب عليهم إثبات الصفات لأن نفي الصفات بالكلية عن الموجود ينافي العقل، فإن العقل لا يثبت موجودًا إلا له صفات، وما نفى العقل وجوده هو ما لا يستطيع أن يصفه بصفة وهذا هو حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة الدهرية.
ثالثًا: قولهم إنه لا يتغير يقصدون بذلك: أنه لا يحدث فيه أي تغير لا في الماضي ولا في المستقبل مهما كان هذا التغير قليلًا. وهو قول لا يقبله العقل فضلًا عن الشرع، لأن معنى ذلك نفي لفعله وتشبيه له بالمعدوم أو الجماد، لأن المعدوم لا يتأتى منه الفعل، كما أن الجماد لا يتأتى منه فعل ولا تغير إلا أن يُغَير أما هو فلا يغير نفسه، ومعنى ذلك أن الله ﵎ لا يريد ولا يأمر ولا ينهى ولا يدبر ولا يتصرف في شيء بل الأشياء هي التي تتصرف دونه، ولا
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان (١/ ٣٨٨).
[ ٢١٩ ]
قدرة له عليها ولا تدبير له فيها، وهي المدبرة المتصرفة بشأنها، وكل ذلك يأباه العقل، فإن الحياة والإيجاد والتصرف والتدبير الموجود في الكون، إما أن يعزى إلى فاعل مدبر متصرف ذي قدرة كاملة وإرادة، وإما أن يعزى إلى جماد أو عدم، ولا شك أن العقل مضطر إلى الإقرار بوجود الخالق المتصرف ذي القدرة والإرادة والتدبير، وإلا انتفى وجود الكون كله، لأن ما فيه من خلق وإيجاد وتصرف وتدبير يدل على وجود وحياة الخالق وكمال قدرته وإرادته دلالة واضحة يضطر إليها كل عاقل، فضلًا عمن أمعن ودقق النظر، فإنه سيضطر إلى الإقرار بوجود الخالق ذي الجلال والإكرام.
وقول الفلاسفة أن الخالق لا يتغير ثم يزعمون أن الخلق صدر عنه، كما سيأتي مثل من يزعم أن جبل أحد أو أن صخرة صماء أوجدت بنفسها إنسانًا أو حيوانًا بدون فعل فاعل أو أن إنسانًا أو حيوانًا صدر عنها ووجد منها، فهذا كله مناف للعقل ويستسخفه كل ذي عقل سليم.
رابعًا: قولهم إنه لا يتحرك هو مثل سابقه لأنه يتضمن نفي حياته، لأن فرق ما بين الحي والميت الحركة فالشيء الذي لا يتحرك هو الميت أو الجماد، والجماد ميت لا حياة فيه.
ولا شك أن هنا سؤالًا يطرح نفسه وهو: كيف يتأتى من ميت أو فاقد للحركة أن يعطي الحياة ويبث الحركة في غيره؟ هذا أمر مرفوض غير مقبول لأنا إذا نظرنا في المصنوعات التي صنعها الإنسان فإنا نراه يصنع المصنوعات ويبث فيها الحركة بما يجعل فيها من الطاقة والقدرة على ذلك بواسطة الوقود أو الكهرباء أو نحو ذلك، والإنسان حي متحرك فأمكن له أن يوجد متحركًا بما مكنه الله فيه، فالله ﵎ أولى أن يكون حيًا يفعل ما يشاء، فإن لم يكن كذلك فلا يمكن أن يوجد هذا الكون لأن الميت لا يفعل ولن يفعل شيئًا.
خامسًا: قولهم إنه محرك لغيره بدون أن يتحرك: هو وصف اضطروا إليه
[ ٢٢٠ ]
حتى يثبتوا دورًا للخالق ﵎ في التصرف في الكون، وهو ما يسمونه: العلة الأولى، وحتى لا يضطروا إلى القول بأن الأشياء أو المادة التي يزعمون أنها قديمة، كما سيأتي فعلت بنفسها فتكون هي الخالقة الموجدة ويكون دعوى وجود الخالق دعوى فارغة لا حاجة إليها ولا ضرورة.
ولا شك أن قولهم إنه محرك بدون أن يتحرك قول لا يستقيم لهم وهو باطل بناءً على كلامهم من عدة أوجه:
١ - أن دعاويهم السابقة في نفي ذاته وصفاته وأفعاله تبطل دعواهم إنه محرك لغيره لأنه لا يمكن لشيء لاصفة له ولا ذات ولا فعل أن يكون محركًا لغيره فهذا محال.
٢ - أن دعواهم إنه محرك لا يتحرك: دعوى متناقضة لأنه ما لم يكن بنفسه متحركًا فكيف يحرك غيره؟ إلا أن يكون كالصخرة التي تسقط على غيرها فتدفعها وتحركها، إلا أن ذلك ينفيه الفلاسفة لأن لازم ذلك أن لحركته علة خارجة عنه، والعله تحتاج إلى علة أخرى إلى ما لا نهاية، وهذا ما يحذره الفلاسفة ويمنعونه، فهم مضطرون إلى القول بهذه الدعوى المتناقضة حتى يدفعوا التسلسل إلى ما لا نهاية.
٣ - أن دعواهم إن تحريكه لغيره على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه دعوى خيالية ظنية باطلة، فليس لهم عليها أدنى دليل سوى الدعوى، ثم إن المعشوق حسب تعبيرهم لا يمكن أن يُعشَق وهو لا صفة له ولا ذات ولا فعل.
٤ - أن الحركة الناتجة من دعوى التحرك على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه هي حركة في غاية الضعف لا تعدوا أن تكون حركة قلبية أو نحوها، فكيف يمكن لحركة بهذا الضعف أن ينتج عنها هذا الوجود الباهر والصنع المتقن للكون.
فكل هذه الدعاوى التي ذكرها الفلاسفة في الله ﵎ دعاوى فاسدة معلوم فسادها ببداهة العقول، فإن أي عاقل إذا نظر في المخلوقات
[ ٢٢١ ]
المحيطة به أو نظر في نفسه أدنى نظرة أدرك أن خالقه لابد أن يكون ذا صفات عظيمة وجلال وكمال من جميع الوجوه، لأنه ما لم يكن كذلك فإنه لا يمكن أن يوجد هذا الخلق وهذا الكون، فإذا لم يكن له ذات فكيف يوجد ما له ذات، وإذا لم يكن موصوفًا بصفات الكمال من السمع والبصر والعلم والحكمة والإرادة وغيرها فكيف يوجد الموصوفين بهذه الصفات، وما لم يكن فاعلًا مختارًا كيف يوجد الفاعلين المختارين، وما لم يكن حيًا كيف يوجد الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لجاهل أن يعلم الناس القرآن أو الشرع أو الدين لأنه فاقد للعلم، وغير البصير لا يمكن أن يرشد الناس إلى الطريق، والميت لا يمكن أن يفعل ولا يحي الموتى ولا يبعث الحياة في الموات ففاقد الشيء لا يعطيه، ولكن هؤلاء الفلاسفة لم ينظروا إلى المخلوقات ليستدلوا بها على الخالق بعين صحيحة، وإنما نظروا إليها بعقول قد لوثتها الوثنية والإلحاد فأثمرث هذه المقولات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على إفلاسهم من النظر الصحيح والرأي السديد الذي يتوصل إليه أقل الناس حظًا من العلم، فهذه المخلوقات المحكمة الصنع والعظيمة في خلقها وهيئتها والعظيمة في دورها وعملها تدل على حكيم عليم بصير خبير، لابد أن يكون موصوفًا بكل صفات الكمال ألا وهو الله ﷻ وتقدست أسماؤه.
[ ٢٢٢ ]
كلام كثير، ومنهم من لم ينقل عنه إلا العبارات القليلة، فنذكر هنا قول بعض كبرائهم ومنهم:
سقراط: فقد زعم كما ذكرنا عنه من قبل: أن ثمة صانعًا فوق الآلهة ومدبرًا فوق سائر الآلهة، والآلهة الأخرى هم أدوات يستعين بها في صنع الوجود (^١).
أما أفلاطون: فيزعم أن الله هو علة وجود العالم وسببه، ويزعم أن صور الأشياء (^٢) التي يسميها المُثل أزلية، كما يعزى إليه أن المادة (^٣) أزلية أيضًا، وهي في حركة دائمة، وأن الصانع أوجد: أولًا النفس الكلية مما يسميه المتشابه واللامتشابه، فصنعها شبيهة له فهي إلهة.
ومن النفس الكلية صنع العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب. وأنه صنع من ذلك الكواكب، وجعل لها نفوسًا خلقها مما بقي من خلق النفس الكلية، وجعلها آلهة عاقلة خالدة واتخذ منها أعوانًا تصنع نفوس الخلق الآخرين.
ويقول: إن الصانع يعتني بسائر مصنوعاته كلياتها وجزئياتها (^٤).
أرسطو: يزعم أن الصورة والمادة قديمتان أزليتان ليستا مخلوقتين، وهما متحركتان في الأزل موجودتان مع المحرك الأول الذي يزعم أنه الله، ثم إن المحرك الأول بغير أن يتحرك حرك الصورة والمادة فاجتمعتا فتكون من
_________________
(١) موسوعة الفلسفة (١/ ٥٧٩).
(٢) يعني بالصورة شكل الشيء وصورته قبل تشكيل المادة على تلك الهيئة والصورة، وهي مراد أفلاطون بالمثل. انظر: المعجم الفلسفي (ص ٣٠٣).
(٣) مرادهم بالمادة جرم الشيء وجسمه قبل إعطائه الهيئة والصورة ويسمى الهيولى. المعجم الفلسفي (ص ٢٩٧).
(٤) في سبيل موسوعة فلسفية (ص ٥٤ - ٥٧)، موسوعة الفلسفة (١/ ١٦٨ - ١٧٨).
[ ٢٢٣ ]
اجتماعهما الأجسام، وهو يرى أن الله ﵎ هو سبب نظام الأشياء الموجودة وترتيبها فقط وأنه لا يتدخل في الأحداث الجزئية ولا يعتني بشيء في الوجود خلا ذاته (^١).
أما أفلوطين المصري: فيزعم أن هناك عالمين:
أحدهما: عالم المعقول، وهو ثلاثة: الله والعقل والنفس (^٢).
والله عنده هو الأول، وقد صدر عنه العقل وهو شبيه به.
والعقل: هو الحامل للصور وهو أبدي لا يفنى.
أما النفس: فقد صدرت عن العقل وهي شبيهة بالعقل وهي حاملة للصور بشكل أكبر من العقل.
ثانيهما: عالم المحسوس، وقد صدر عن النفس الكلية ونتج عنها، فهي التي صنعته وأوجدته، كما أنها هي التي أمدته بالنفوس التي تبث الحياة فيه، وعنده أن الله تعالى لا يعتني إلا بالأشياء الكلية، أما الأمور الجزئية والفردية فلا يعتني بها ولا يعلمها (^٣).
بيان بطلان قولهم:
أقوال الفلاسفة السابقة في إيجاد الكون يمكن أن نلاحظ منها شيئًا وهو: تركب بعضها على بعض.
فسقراط شيخهم المتقدم زعم أن هناك إلهًا أكبر وآلهة دونه تساعده في صنع هذا الوجود.
_________________
(١) موسوعة الفلسفة (١/ ١٠٦)، في سبيل موسوعة فلسفية (ص ٧٥ - ٧٦)، قصة الفلسفة (ص ١١٢ - ١١٤).
(٢) موسوعة الفلسفة (١/ ١٩٧).
(٣) موسوعة الفلسفة (١/ ٢٠٤ - ٢٠٧).
[ ٢٢٤ ]
ثم جاء أفلاطون تلميذه فرتب هذه المقالة فزعم: أن الصور مع الإله الواحد قديمة، ويعزى إليه قدم المادة أيضًا، فشقشق كلامًا حتى يوجد رابطًا بين الإله الواحد والصور والمادة يتوصل منه إلى إيجاد هذا الكون، فاخترع النفس الكلية وادعى تكونها من المادة والصورة وهي التي تولت من بعد إيجاد الكون، فأخذ بهذه الدعوى كل من جاء بعد أفلاطون من الفلاسفة فبنوا كلامهم على هذه الأربعة أشياء: الإله، الصورة، المادة، النفس الكلية، على خلاف بينهم في بعض المسميات والترتيبات حسب قدرة الفيلسوف على التخيل والتعبير.
ومن هنا يمكننا أن نقول إن قول الفلاسفة في إيجاد الكون يتلخص في أن هناك موجودان أزليان وهما الله ﵎ وأصل مادة العالم، وأن الله ﵎ بدون أن يفعل شيئًا أو يريد شيئًا تكوَّن العالم وتصور على الصور المحسوسة بفعل وسائط صدرت عن الله ﵎، وفي هذه الدعاوى من الفساد ما هو ظاهر واضح البطلان ومما يرد عليهم في ذلك أن يقال لهم:
أولًا: إن دعوى أن المادة والصورة أزليتان وغير مخلوقتين وهو ما يسمى بقدم العالم عندهم قول فاسد ظاهر الفساد، إذ أنه يلزم منه أن المادة والصورة وجدا من غير شيء، وهذا معلوم الفساد ببداهة العقول، فإن كل موجود لابد له من موجد حتى ينتهي إلى الموجد الأول، وهو الخالق ﵎، وإلا لزم من ذلك التسلسل إلى ما لا نهاية وذلك باطل ومستحيل.
ثانيًا: قولهم بأنه صدر عن الله أولًا النفس الكلية أو العقل ثم نفوس الكواكب إلى آخر كلامهم في هذا، كله ضرب من الظن والتخمين الذي لا يمكن بحال أن يقول بصحته إلا كل سفيه لا عقل له ولا دين، لأنه ليس قولًا مبنيا على أي معنى علمي، كما أنه لم يبن على ما هو مشاهد ومحسوس، إنما هو فرية افتراها أفلاطون وتبعه عليها من جاء بعده من الفلاسفة،
وأصل هذه المقالة والموجب لها اعتقادهم أن الله ﵎ لا يوصف
[ ٢٢٥ ]
بشيء من الصفات الثبوتية، فاحتاجوا بناءً على اضطرارهم للقول بالخالق لوجود المخلوقات إلى القول بوجود الوسيط بين الخالق أو من يسمونه المبدع الأول: الذي لا يستطيع أن يفعل شيئًا ولا يملك شيئًا وليس له صفة، وبين المخلوقات، وهذا الوسيط هو النفس الكلية أو العقل على خلاف بينهم في التسميات، وهو الذي تولى إيجاد نفوس الكواكب ثم العناصر وما إلى ذلك من ضروب الظن والتخمين الفاسد.
وهذه الدعاوى تطورت عند من جاء بعده إلى زيادة العقول وترتيب هذه المقالة وفق ما يرون من تصحيح أو زيادة.
وهذا كله محض افتراء وكذب، وخيال عقلي، وأشبه بأسطورة من الأساطير منه ببيان علمي، والدليل على ذلك أمور:
١ - أن مصدر العلم الصحيح إما التجربة أو المشاهدة أو الخبر.
ولا شك أن الله ﵎ ليس داخلا لا ذاته ولا صفاته تحت مشاهدتهم ولا تجربتهم، وكذلك أصل العالم ومادته وإيجاد الله له كما قال ﷿ ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ الكهف (٥١).
فكل ذلك ليس مجالًا للمشاهدة والتجربة، كما أنهم ليس لهم مصدر علمي صحيح أخبرهم بذلك، فإذًا عادت دعواهم إلى مجرد خرص وتخمين فاسد بعيد كل البعد عن العلم الصحيح والنظر الصحيح.
٢ - أن تناقض الفلاسفة وزيادة بعضهم على بعض في هذه المقولة وتخطئة بعضهم لبعض في ذلك دليل على أن الأمر يعود إلى قدرة كل واحد منهم على الخرص والتخمين أكثر من الآخر، وذلك دليل على أن الأمر ليس حقيقة علمية يجب التسليم لها، وإنما هو تعبير خاص من قائله يعود إلى رأيه ونظره ولا يعود إلى أن ذلك هو حقيقة الأمر وواقعه.
[ ٢٢٦ ]
ولو فهمت هذه الآراء على أنها آراء خاصة بأصحابها لكان الخطب يسيرًا ولكن مع الأسف فقد جعلت تلك المقالات الفاسدة والآراء الكاسدة حقًا ثابتًا ويقينًا راسخًا يقاس غيرها عليها، ويقرب ما نفر عنها منها، وهي حكم على ما سواها، وهذا انحراف خطير، وخروج بالأمر عن مساره، وقلب لموازينه، إذ أن حقيقة الآراء المبنية على الخرص والتخمين أن تبقى آراءً خاصة لا تتعدى قائلها، ولا تعطى أي صفة علمية.
ثالثا: أن ما ادعوه من النفس الكلية والعقل إن أثبتوا له الإرادة والقدرة على التصرف فقد زعموا أن المبدع الأول، على حد تعبير بعضهم قد صدر عنه الإرادة والفعل، مع أنه في زعمهم فاقد لهذه الصفات، وفاقد الشيء لا يعطيه، وإن لم يثبتوا للنفس الكلية أو العقل الإرادة والقدرة والفعل فقد عاد الأمر كما كان بالنسبة للمبدع الأول، فتكون النفس الكلية أو العقل مسلوبي القدرة والإرادة والفعل ومعطلين، فلا يمكن أن يوجد ويدبر ويتصرف كما هو الحال بالنسبة للأول، ولازم ذلك عدم وجود المخلوقات وذلك باطل معلوم البطلان.
رابعًا: دعواهم أن العقل أو النفس الكلية هي التي أوجدت الكون ورتبته ووضعت فيه نظامه وأحكمته وما إلى ذلك مؤد إلى أن المبدع الأول فيما يزعمون أوجد من هو أفضل منه وأكمل وأجل وأقدر وهذا خلف وضلال مبين، فكيف يوجد من هو أفضل منه وهو عندهم في الأصل عاجز تمام العجز.
خامسًا: إن زعمهم أن الكواكب لها نفوس تدبرها وهي التي أوجدت الإنسان وما إلى ذلك، ظاهر فيه الكذب والضلال، فإن من أعظم الكواكب الأرض وفيها من الخيرات والأحوال ما ليس في غيرها ومع ذلك فظاهر لكل ذي عينين أنها جامدة مسخرة لا روح فيها، وإنما هي مكونة من تراب وحجارة وماء وغير ذلك من المواد الجامدة، ولها نظام في شكلها وهيئتها ووضعها في هذا الكون لا يمكن بحال أن تخرج عنه بنفسها، ولا يمكن أن تكون أوجدته هي
[ ٢٢٧ ]
بنفسها، فإذا كان هذا حال الأرض فالكواكب الأخرى لا شك مثلها في ذلك وهي أبعد عن أن تكون لها أرواح تدبر أمرها، وفي هذا الوقت اتضح كذبهم وظهر أكثر من ذي قبل خاصة بعد وصول أناس من البشر إلى القمر وما لم يصلوا إليه استطاعوا أن يصوروه أو يروه بالمكبرات فلم يتبين فيها إلا أنها أقل حالًا من الأرض بل إنها فاقدة لكل معاني الحياة على ظهرها، فبالتالي ادعاء أن لها أرواحًا وأنها مدبرة لهذا الكون أو موجدة لا يعدو أن يكون من الأساطير السخيفة التي لا تروج إلا على أسخف الناس عقلًا وأبعدهم عن الإدراك السليم.
سادسًا: إن من نظر في قول الفلاسفة في إيجاد هذا الكون يدرك أنه مبني على أمرين:
الأمر الأول: نظر عقلي فاسد أوصلهم إلى أن الله ليس له أي صفة ثبوتية سوى الواحدية أو الأولية وهذا من أجل أن يتوصلوا إلى إثبات علة للوجود.
الأمر الثاني: الوثنية المغرقة في الضلالة والخرافة مما كان عليه المجتمع اليوناني في زمنهم من تأليه الكواكب واعتقاد أنها التي أوجدت هذا الكون وتتصرف فيه.
فركب الفلاسفة قولهم من هذين الأمرين وكلاهما واضح بطلانه ظاهر سخافته وتهافته.
وقبل أن ننهي الكلام عن قول الفلاسفة ودعاويهم في صفات الله ﵎ وفعله وإيجاده لهذا الكون لابد أن نشير إلى أمر مهم وهو:
أن الفلاسفة قد يكونوا أجادوا بعض الإجادة في الكلام عن بعض المخلوقات أو الأمور المعنوية المتعلقة بالسياسة أو التربية ونحو ذلك، وكلامهم هذا مهما بلغوا فيه من حسن القول والإجادة لا يلزم أن يكونوا أهلًا لأن يتكلموا فيما وراء طاقة الإنسان وقدرته سواء فيما يتعلق بالله ﷿، أو
[ ٢٢٨ ]
المخلوقات غير الظاهرة للعيان، فذلك غيب عن الإنسان، وعقل الإنسان وقدراته متعلقة بما يراه أو يرى شبيهًا له فيقيس عليه.
فحديثهم عن الله جل وعلا وحديثهم عن تكوين الكون ومادته وأصله كله كلام في أمر غير داخل تحت طاقتهم وقدرتهم، وكلامهم فيه لا يعدو أن يكون ككلام المتطفل على علم لا يحسنه. وهم في هذا مثل طبيب من أمهر الناس في الطب مثلًا هل يليق أن يذهب إليه أحد بناءً على حذقه في الطب فيسأله عن مسألة شرعية أو مسألة متعلقة بالسياسة أو مسألة متعلقة بالهندسة، لا شك أن هذا لا يليق ولا يصح.
ومن رام أن يأخذ من الطبيب جواب مسألة شرعية دقيقة أو مسألة متعلقة بالهندسة أو المحاسبة فهو مخطئ. فكذلك من رام أن يجد عند هؤلاء الفلاسفة علم ما يتعلق بالله ﷿ فقد أخطأ الطريق وأخطأ الهدف.
ثم إنه من رحمة الله ﷿ لما كانت وسائل البشر إلى معرفته المعرفة الصحيحة الكاملة مسدودة إلا من خلال الوحي أنزل الله في ذلك كتبه وأرسل رسله لتعليم الناس وتعريفهم به، وهذا من أعظم الرحمة وأعظم المنة من الله ﷿ على خلقه، لأنه بذلك يهيئ من شاء منهم إلى رحمته العظمى ورضوانه الأكبر في جنات عدن.
[ ٢٢٩ ]
خاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي هدانا بغير حول منا ولا طول، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلي الله على معلم البشرية الخير وهاديها إلى كل فلاح ونجاح نبينا وسيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فبعد أن طوفنا خلال قول أهل الحق في الله ﷿ وربوبيته وألوهيته وصفاته ثم عرجنا على قول أهل الباطل من الفلاسفة نختم هذا البحث بأهم النتائج المستفادة منه وهي:
١ - أنه جاءنا عن الله ﵎ وعن رسول الله ﷺ الحق الذي تستريح له النفوس وتطمئن له القلوب ويغنيها عن سواهما ويعطيها ما تحتاج إليه من العلم الصحيح والتعبد الصحيح للمعبود الحق لأهل الأرض والسماء.
٢ - أن الطريق إلى العلم الصحيح في الله ﷿ مغلق إلا من الطريق الذي جعله الله ﷿ طريقًا إليه وهم أنبياؤه وأمناؤه على وحيه.
٣ - أن العقل غير قادر باستقلال للوصول إلى العلم الصحيح عن الله ﷿.
٤ - أن العقل مهما كان ناضجًا وقويًا فإنه لا يسلم من تأثير البيئات المحيطة به، والتربية التي تربى عليها الانسان، فلهذا تأتي أحكامه وتصوراته متأثرة بمؤثرات خارجية، تفسد عليه نقاوته وصحته وتقلب في بعض الأحيان موازينه.
٥ - أن الفلاسفة ليسوا مؤهلين بحال للكلام في الله ﷿ لا من ناحية منهجهم، ولا مستواهم، ولا أهدافهم، وغاياتهم.
[ ٢٣٠ ]
٦ - أن كلام الفلاسفة في الله ﷿ متناقض، وهو من أفسد الكلام وأقبحه.
٧ - أن الفلاسفة المعتمدين على العقل كما تناقضوا مع الحق في قولهم، فقد تناقضوا فيما بينهم، فمنهم من نفي وجود الله ﷿ جملة وتفصيلًا، ومنهم من زعم أنه هو هذا الوجود صغيره وكبيره، ومنهم من أثبت له وجودًا مطلقًا وعزله عن الخلق والإيجاد والتدبير والتصرف. وفي هذا التناقض دليل كاف على فساد المنهج العقلي وعدم قدرته على الوصول إلى العلم الصحيح في هذا الباب.
٨ - أن الفلاسفة كما لم يثبتوا لله تعالى وجودًا حقيقيًا، فهم أيضًا لم يثبتوا له فعلًا ولا ربوبية ولا ألوهية.
٩ - أن الفلاسفة المؤلهة لما لم يثبتوا لله تعالى وجودًا حقيقيًا ولا فعلًا اضطروا إلى ادعاء صدور أشياء عديدة، تسلسلت في الصدور عنه، عزوا إليها الخلق والتدبير.
١٠ - أن الفلاسفة لا يستطيعون بحال أن يقيموا برهانًا عقليًا واحدًا على دعاويهم تلك، وإنما هي خيالات وأوهام مبنية على وهم خاص بكل واحد منهم.
١١ - أن الله تعالى رحم البشرية عمومًا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، التي استفاد منها خلق كثير من بني آدم، سلم وامن خرافات ودعاوى الفلاسفة، التي راجت على بعض الناس، مع خلوها من البرهان أو الدليل.
١٢ - أن الفلاسفة الوثنيين أثروا في أناس عديدين من أهل الأديان من اليهود والنصارى والمسلمين، وهذا ما سنبينه بشيء من التفصيل في دراسة لاحقة إن شاء الله تعالى.
هذا ما تيسر جمعه في هذه الدراسة الموجزة. وفي الختام نحمد الله تعالى أولًا وآخرًا الذي بنعمته تتم الصالحات، ونصلي ونسلم على نبينا محمد الهادي البشير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢٣١ ]