إن الحمد لله نحمده نستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وبعد:
فإن الله ﷿ قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويهدي إلى صراط مستقيم.
وقد تنكبت البشرية طريق الهداية ووقعت في الغواية واستشرى فيها الفساد في نواحي كثيرة من مناحي حياتها، وكان من أكثر انحرافاتها خطرًا وأعظمها جرمًا انحرافهم في الله ﷿، فقد ضل البشر عن ربهم ضلالًا بعيدًا وجهلوه جهلًا شديدًا أورثهم كثيرًا من الضلالات والانحرافات.
وكان من أعظم مصادر ضلال البشر اعتمادهم على نظرهم القاصر وقياسهم الغائب على الشاهد، وقولهم على الله ﷿ بلا علم.
وكان من حاملي لواء الضلالة في العالم الفلاسفة وروادهم في ذلك الضلال المتقدمون منهم وهم فلاسفة اليونان، الذين برزوا على الناس بدعوى النظر العقلي، والتدقيق في الأمور، والمسائل المتعلقة بالإنسان، ثم لم يكتفوا بذلك، حتى جادلوا في الله ﷿ بغير علم، ولم يكن ظاهرًا أمام أعينهم إلا الإنسان والمخلوقات المحيطة بهم، فقاسوا ما غاب عنهم على ما يشاهدونه، فكان ذلك من أعظم أخطائهم وغلطاتهم، ثم ما لم تسعفهم به عقولهم ونظرهم استلفوه واستلهموه من عقائد مجتمعهم، وما تربوا عليه في الأصل من الوثنيات والضلالات، فنتج عن ذلك كله مقولات في الله ﵎ هي من أفسد المقالات وأقبحها، وأكثرها بعدًا عن العقل السليم، إلا أنها مع ذلك راجت على
[ ١٧٧ ]
كثير من بني البشر لما لبست ثوب العلم والنظر العقلي.
ويبدو - والله أعلم - أنها راجت بفعل وسوسة الشيطان، وقابلية كثير من الناس لذلك، لما فيها من إرضاء غرور الإنسان وإعجابه بنفسه وذكائه، فيرى أنه توصل إلى علم مغيب عنه بحسن نظره وقوة ذكائه، فيتيه بذلك كبرًا وغطرسة، ويجتهد في الدفاع عن قناعته الشخصية، التي هي أشبه بالزبد الذي لا يشفي ولا يروي.
فتأثر بتلك المقولات الفاسدة كثير من أتباع الأديان، فقد دخلت على اليهود وتأثروا بها كثيرًا، وأثرت في معرفتهم لربهم وعبادتهم له ﷿، كما دخلت بشكل أكبر على النصارى، حتى آل أمر الديانة النصرانية إلى مزيج فلسفي وثني، ضاعت معه معالم التوحيد والنور.
وكما هو معلوم، فإن كلا من الديانتين السابقتين قد انطفأ نورها واستحكمت الضلالة على أهلها، بما حرفوا وضيعوا من وحي الله وشرعه، إلا أن الله تعالى الرحيم الكريم لم يترك البشر ألعوبة بيد أهل الضلالة يلقنونهم الغواية تلو الغواية، وإنما أرسل من لطفه وكرمه نبيه الكريم محمدًا ﷺ إلى بني البشر كافة، وأنزل معه الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ويتعرفوا على ربهم ﵎ المعرفة الصحيحة، التي تنير قلوبهم، وتشرح صدورهم وتزيح عنهم غشاوة الجهل والضلالة، وترفع عنهم إصرهم والأغلال التي غلهم بها الشيطان وحزبه من الفلاسفة، وأضرابهم من الأحبار والرهبان.
فأنار الله بالوحي المنزل أرجاء الدنيا، وأظهر للناس المقولة الحقة في الله ﵎، فتعرفوا على ربهم من خلال ما أنزل في كتابه، وما بينه ودعا إليه رسوله ﷺ، فتحولت معرفتهم بربهم وحقوقه جل وعلا من رب فقير لا حول له ولا طول ولا قدرة ولا إرادة ولا حق له ولا جزاء عنده لمطيع ولا عقوبة لعاص، إنما هو تعالى عن قولهم معطل غاية التعطيل مجحود خلقه، ومكفورة نعمته،
[ ١٧٨ ]
ومعزوة إلى غيره من العقول والنفوس والأوثان والأصنام، مشكور غيره من المربوبين والمخلوقين من البشر والأصنام - فتحولت معرفة الناس من تلك المعرفة التي أملاها عليهم الفلاسفة، ومن أخذ بقولهم إلى أن الله ﵎ هو الواحد الأحد الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ذو الجلال والإكرام، ذو الجبروت والملكوت، حي لا يموت، قيوم لا ينام، الخالق الباري المصور السميع البصير العليم الحكيم، ذو العزة والانتقام، وذو الرحمة والإنعام، لا يخفى عليه من شؤون عباده شيء، ويدبر أمورهم ويتصرف فيهم، لا يشاؤون إلا ما شاءه لهم، ولا ينالون إلا ما قضاه لهم، وهو الغني ذو الرحمة، فما من نعمة إلا هو مصدرها، وهو رازقها والمنعم بها، وما من بلية إلا هو وحده القادر على رفعها ودفعها، له العبادة وحده، وله الشكر وحده دون من سواه، وهو المتفضل على من أطاعه بجنة عرضها السماوات والأرض يوم القيامة رحمة وفضلًا، وهو المنتقم ممن عصاه في نار وقودها الناس والحجارة عدلا.
فأشرقت الأرض بهذا العلم وهذا النور وهذه المعرفة، وثاب من شاء الله هدايته من الناس إلى ربهم، يعبدونه ويشكرونه، بعد أن عرفوه المعرفة الصحيحة، وآمنوا به الإيمان الصحيح، وخلعوا عنهم ضلالات الجاهلية وسخافاتها، واستمر هذا الحال بأمة الإسلام دهرًا، إلى أن دب إليهم الداء الدوي، والشر المستطير، ألا وهو الإعراض عن الوحي، والإعجاب بالآراء والأهواء، فإذا بالطريق مطروق، والبضاعة موجودة، ألا وهي مقولات الفلاسفة، فتلقفها من المسلمين رديء الحظ، سيء النظر، ممن جهل ربه، وجهل دينه على تفاوت بينهم في مقدار الأخذ منها، فمنهم من استبدل الخبيث بالطيب، فأقصى وحي الله ﷿، وأخذ بزبالة الأذهان، وحثالة المقولات، وجعلها أصلًا، ولم يقم لغيرها من وحي الله ونوره وزنًا، وهؤلاء هم من يسمون (فلاسفة المسلمين) ويدخل فيهم الباطنيون وفلاسفة الصوفية أصحاب وحدة الوجود.
[ ١٧٩ ]
ومن المسلمين من أخذ بشيء من الفلسفة وترك شيئًا، فكان ما أخذه شر أقواله، وأخبث مقولاته، وهدم به ما قابله من نور الله ووحيه، وهؤلاء هم (المتكلمون) من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية، الذين أقاموا معرفتهم بالله ﷿ على قواعد فلسفية، مما ظنوا أنه لا يتعارض مع وحي الله وشرعه، وراحوا يحاولون التلفيق بين الوحي المنزل، وشرعة الفلاسفة وأنى يلتقيان:
ذهبت مشرقة وذهبت مغربًا … شتان بين مشرق ومغرب
فصاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إلا أنهم أسعد حالًا من سابقيهم، بما عندهم من الوحي والشرع.
ولا شك أن أسعد الجميع حالًا من جعل شرع الله ووحيه هو إمامه وقائده وملهمه ومعلمه وموجهه، وهم سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن التزم بنهجهم وطريقهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ممن لم يرد عن الله بديلا، ولا عن شرعه تحويلا، وقد أيقن هؤلاء أن النور والحق والنجاح والفلاح في شرع الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ النساء (١٢٢) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ النساء (٨٧) وأن ما عداه إنما هو وسواس الشياطين، ليس له نصيب ولا حظ من العلم والحق.
وفي هذه الدراسة سنذكر قول الفلاسفة في التوحيد، ونبين بطلانه بما يفتح الله ﷿ به من أوجه بطلان تلك المقالات، وإن كان يغني عن بيان بطلان الباطل سماعه، وذلك لأن مقالة الفلاسفة هي الأصل لسائر أقوال أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
كما سنلقي قبل ذلك الضوء على مذهب السلف في التوحيد، حتى يتبين مقدار الفرق بين المقالتين، وما تضفيه مقالة الفلاسفة على النفس من الظلمة
[ ١٨٠ ]
والحرج، وما تكتسي به النفوس من النور والبهاء والراحة بتعرفها على ما جاء عن الله ﷿ وما جاء عن رسوله ﷺ من توحيد الله ﵎.
وقد جعلت هذه الدراسة في مقدمة وفصلين:
الفصل الأول: تعريف موجز بمذهب السلف في التوحيد.
وفيه تمهيد ومبحث واحد في: بيان أنوع التوحيد الواجب لله ﷿ عند السلف
الفصل الثاني: قول الفلاسفة في التوحيد وفيه تمهيد ومبحثان:
أما التمهيد: ففيه تعريف الفلسفة والفلاسفة
المبحث الأول: قول ملاحدة الفلاسفة وبيان بطلانه.
المبحث الثاني: قول المؤلهة من الفلاسفة، وبيان بطلانه.
المطلب الأول: قولهم في وجود الله تعالى وصفاته، وبيان بطلانه.
المطلب الثاني: قولهم في إيجاد الكون، وبيان بطلانه.
خاتمة: وفيها أهم النتائج.
[ ١٨١ ]
الفصل الأول: