قبل أن نشرع في بيان عقيدة السلف في التوحيد يجدر بنا أن نعرف بمفردات مهمة:
أولًا - السلف:
السلف لغة: جمع سالف. وهو كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أو الفضل (^١).
والسلف اصطلاحًا: هم أصحاب النبي ﷺ، ثم التابعين لهم بإحسان ومن تبعهم من أئمة الدين وأعلام الهدى، بخلاف من رمي ببدعة من الخوارج أو الشيعة أو الجهمية أو المعتزلة ونحوهم (^٢).
ثانيًا - التوحيد:
التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد توحيدًا، فهو موحد والواحد والأحد يدور معناه على الانفراد (^٣).
والتوحيد اصطلاحًا: هو اعتقاد أن الله واحد في ذاته وواحد في ربوبيته، وواحد في أسمائه وصفاته واحد في ألوهيته وعبادته وحده لا شريك له.
فهذا التعريف يتضمن الإقرار والإيمان بأن الله واحد فرد من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعيه النصارى - تعالى الله عن ذلك.
_________________
(١) القاموس المحيط (ص ٦٠).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٠).
(٣) المعجم الوسيط (٢/ ١٠١٦).
[ ١٨٢ ]
وهو واحد في ربوبيته، لا خالق معه ولا متصرف ولا مدبر لشيء في هذا الكون غيره، إنما الكون كله خلقًا وتدبيرًا وتصرفًا بيده سبحانه.
وواحد في أسمائه وصفاته لا مثيل له سبحانه.
وواحد سبحانه في عبادته لا شريك له في العبادة لا أولياء ولا وسطاء، وإنما العبادة له وحده لا شريك له.
ونشير هنا إلى أن السلف ﵏ لهم منهج واضح في الاستدلال على التوحيد وسائر مسائل العقيدة وتقريرها، ويمكن استخلاص هذا المنهج من كلام الآجري (^١) ﵀؛ حيث قال في كتابه الشريعة: "باب الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وسنة أصحابه ﵃ وترك البدع وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃ " (^٢).
ومثله قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) ﵀: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (^٤).
_________________
(١) الآجري محمد بن عبد الله، فقيه شافعي محدث، نسبته إلى آجر من قرى بغداد، صاحب سنة واتباع. توفي سنة ٣٦٠؟. انظر: سير إعلام النبلاء ١٦/ ١٣٣ - ١٣٦.
(٢) الشريعة (١/ ١٧٠).
(٣) أحمد بن عبد الحليم، شيخ الإسلام الشهير بابن تيمية، ألف في أكثر العلوم التآليف العديدة، وصنف التصانيف المفيدة في التفسير والفقه والأصول والحديث والكلام، وتصدى للرد على الفرق الضالة والمبتدعة، لم يسبق إلى مثل تأليفه وشهرته، توفي سنة ٧٢٨؟. انظر: مختصر طبقات الحنابلة ص ٦١.
(٤) أخرجه أبو داود في السنة ٤/ ٢٠١. باب في لزوم السنة.
[ ١٨٣ ]
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد" (^١).
ومن خلال ذلك نستطيع أن نستخلص أن منهج السلف في الاستدلال على التوحيد يقوم على أربع قواعد هي:
١ - الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها.
٢ - اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
٣ - عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء.
٤ - الحذر من البدع وأهلها.
فهذه القواعد هي عمدتهم في تقرير كل ما يتعلق بتوحيد الله تعالى، بل وجميع مسائل العقيدة والأمور الشرعية، وكل من نظر في كتبهم المصنفة في هذا الباب فإنه يجد الالتزام الواضح بهذه القواعد وتطبيقها في جليل المسائل ودقيقها.
مبحث في أنواع التوحيد الواجب لله ﷿ عند السلف
التوحيد هو رأس دعوة الرسل وغاية جهادهم وتبليغهم من لدن آدم ﵇ إلى آخرهم نبينا محمد ﷺ، ويكفي في الدلالة على ذلك قوله ﷿ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل (٣٦).
وقال ﷿ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء (٢٥).
وقد ذكر الله ﷿ عن سائر أنبيائه دعوتهم إلى التوحيد والتركيز عليه فهو
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص ٢٨).
[ ١٨٤ ]
البداية وهو الغاية.
وهذا التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء ﵈ وحققوه في أنفسهم وطلبوا من الناس تحقيقه هو توحيد الله بالعبادة، وهو وإن كان أحد أنواع التوحيد كما سيتبين إلا أنه أهمها وأعظمها، والإقرار به متضمن للإقرار بما سواه والانحراف عنه هو ديدن بني آدم من المشركين والكفار، لهذا كان الاعتناء به والبداءة بتحقيقه أولًا قبل أي مطلب آخر هو منهج الأنبياء ﵈.
وكما هو ظاهر فإن من أقر لله ﷿ بالألوهية وعبده دون غيره، فإن ذلك متضمن للإقرار له بالأسماء والصفات والربوبية كما سنبين.
وقد خلف الصالحون من كل أمة أنبياء الله ﷿ في الاستقامة على منهجهم ودينهم وطريقتهم، وخلف نبينا محمد ﷺ سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في الإقرار لله بالتوحيد.
وهذا التوحيد على مذهب السلف ثلاثة أنواع هي: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية.
أولًا: توحيد الربوبية:
معناه، الإقرار بأن الله ﷿ هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لشؤون هذا الكون، والمتصرف فيه وحده، ليس له في ذلك ظهير ولا معين ولا شريك ولا مثيل.
ويصرح السلف بأن هذا النوع من التوحيد أدلته أكثر من أن تحصى أو تستقصى. ومن أهم هذه الأدلة وأظهرها: الفطرة.
والمراد بالفطرة لغة: الخلقة ١.
_________________
(١) اللسان ٥/ ٣٤٣٣.
[ ١٨٥ ]
أما المراد بها هنا فهو: أن الله تعالى قد خلق البشر عمومًا على الإقرار بربوبيته تعالى وتوحيده، ومن المعلوم أن الله جل وعلا قد فطر الناس على أشياء كثيرة عديدة، ومن ضمن ما فطرهم عليه الاقرار لله بالربوبية. وهذا هو الذي يفسر اتفاق البشر على الإقرار لله بالربوبية، ولم يخالف في ذلك إلا شواذ من البشر من الملاحدة، مثل فرعون ومن كان على شاكلته (^١).
ويستدلون لهذا الدليل بأدلة عديدة، منها:
قوله ﷿ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ الأعراف (١٧٢).
وأخرج الإمام أحمد (^٢) بسنده عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني بعرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا قال: ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " (^٣).
_________________
(١) من الجدير بالذكر أن الملاحدة يظهرون الإلحاد ويتبجحون به وإن كانوا في قرارة نفوسهم يعلمون أن الله خالقهم كما قال تعالى عن فرعون وقومه ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ النمل (١٣ - ١٤)، وقال تعالى ذاكرًا خطاب موسى لفرعون ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ الإسراء (١٠٢)
(٢) أحمد بن حنبل، إمام الحنابلة والمحدثين، ناصر الإسلام والسنة. كان الإمام الشافعي يجله ويثني عليه ثناءً حسنًا، وكان من أصحابه وخواصه. توفي ﵀ سنة ٢٤١؟. انظر: مختصر طبقات الحنابلة ص ٧ - ١٧.
(٣) مسند الإمام أحمد (١/ ٢٧٢)، وذكر ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٤١) روايات عديدة في هذا المعنى ورجح وقفها على ابن عباس ﵁.
[ ١٨٦ ]
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء " (^١).
وحديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا … " (^٢) الحديث.
فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق.
ولا شك أن ذلك من رحمة الله تعالى بخلقه ولطفه بهم، إذ غرس فيهم الإقرار بربوبيته، ولذلك فوائد عظيمة، من أهمها: أن عبادة الله تعالى لا تتم إلا بالإقرار بربوبية الله.
ومن المعلوم أن أعظم حقوق الله على عباده وواجباتهم نحوه هو عبادته تعالى. فإذا كان دليل استحقاقها، وهو الربوبية حاضر في النفس مسلم به من العبد، سهل انقياده لهذا الأمر، وهو العبادة.
كما يستدل السلف على ربوبية الله ﷿ بما بثه جل وعلا في الكون من الآيات الظاهرة الباهرة القاهرة، التي تدل على ربوبيته دلالة واضحة صريحة، لا يغفل عنها أو يجحدها إلا أعمى البصر والبصيرة.
فإن السماء وما فيها آية عظمى دالة على عظمة خالقها وموجدها، وما
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الجنائز، انظر: فتح الباري (٣/ ٢٤٦). وهو في مواضع كثيرة من صحيح البخاري، ومسلم ٤/ ٢٠٤٧. كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، رقم ٢٦٥٨.
(٢) أخرجه مسلم كتاب الجنة، باب ١٦ (٤/ ٢١٩٧)، وأحمد (٤/ ١٦٢).
[ ١٨٧ ]
بين السماء والأرض من الكواكب آيات واضحات ظاهرات، وفي الأرض آيات لا تحصى ظاهرة في جبالها وسهولها وأنهارها ومياهها وبحارها وهوائها وأشجارها وما بث فيها من دابة، وفي نفس الإنسان من الآيات ما لا يمكن رده وجحده بل الأمر كما قيل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (^١)
فهذه الدلائل الواضحة الظاهرة هي دالة على الله ﷿، لمن كان في نفسه شك أو تردد، وإلا فالواقع أن الإقرار بالربوبية عام فطري، كما قال الرسل ﵈ ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم (١٠) (^٢).
لهذا لا حاجة لتكلف الأدلة، لأن الواضح لا يحتاج إلى توضيح، والظاهر لا يحتاج إلى استظهار وكما قيل:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (^٣)
وتكلف الأدلة في ذلك كما هو شأن الفلاسفة ومن سلك منهجهم من المتكلمين وغيرهم إنما يمكن أن يصح في الاستدلال على القضايا الخفية، أما الأمور الظاهرة الواضحة المتفق عليها لا يحتاج إثباتها إلى تكلف دليل أو برهان.
ولا شك أن من رحمة الله ﷿ ولطفه بعباده أن جعل أدلة وبراهين ربوبيته فطرية ظاهرة، يؤمن بها ويدركها أقل الناس حظًا من العلم والنظر، بل إن الأدلة لوضوحها وظهورها تضطر الإنسان اضطرارًا إلى الإيمان بخالقها وموجدها ربًا وخالقًا.
_________________
(١) اختلف في نسبته، فنسبه الصفدي إلى أبي فراس. انظر: الوفيات (٧/ ١٣٨)، وأما أبو الفرج فقد نسبه إلى أبي العتاهية انظر: الأغاني (٤/ ٣٥).
(٢) انظر: التوحيد لابن منده (١/ ٩٧ - ٣٠٥)، الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٧٦ - ٣٨٧).
(٣) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٢٢١).
[ ١٨٨ ]
وهذا الإقرار والاضطرار مهم غاية الأهمية، بل هو من رحمة الله ﷿ بعبيده وخلقه، لأنه ينبني عليه عبادة الله ﷿، التي هي الغاية من خلق الإنسان، وهو سبيل نجاته، إذ لا نجاة للعبد بدون إخلاص العبادة له ﷿، فلهذا جعل الدليل على استحقاقه للعبادة وحده دون سواه كونه سبحانه هو الخالق الرازق المالك، المتصرف وحده دون سواه، وذلك كله من رحمة الله ولطفه بعباده.
لهذا كثر في القرآن ربط الألوهية بالربوبية، ووجوب عبادة الله وحده، استنادًا على وحدانيته في ربوبيته جل وعلا، ومن ذلك قولهعز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة (٢١ - ٢٢).
وقال ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الأنعام (١٠٢).
وقال جل وعلا ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ النمل (٦٠).
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ربوبية الله ﷿، والتي أقام الله ﷿ بها الحجة على المشركين، الذين يقرون بربوبيته سبحانه، وينكرون وحدانيته في العبادة، ويعبدون معه سواه.
* ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
هو اعتقاد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة، التي لا يماثله فيها أحد.
[ ١٨٩ ]
والسلف يلتزمون من ذلك بما ورد في الكتاب والسنة، فمن نظر في كتبهم المصنفة مثل كتاب (السنة) للإمام أحمد، و(خلق أفعال العباد) للبخاري (^١)، و(الرد على بشر المريسي) (^٢) للدارمي (^٣) و(السنة) لابن أبي عاصم النبيل (^٤) و(السنة) للطبري، و(الشريعة) للآجري، و(الرؤية) للدارقطني (^٥) و(الرد على الجهمية) لابن منده (^٦) و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي (^٧)، و(النزول) و(الصفات)، و(الرد على الجهمية)، و(عقيدة أصحاب الحديث)
_________________
(١) أبو عبدالله محمد بن إسماعيل، الحافظ لحديث رسول الله ﷺ، صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري. جبل الحفظ، ثقة الحديث. توفي سنة ٢٥٦؟. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ١٤٤.
(٢) بشر بن غياث بن أبي كريمة، عبد الرحمن المريسي، فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، كان عين الجهمية في عصره. رمي بالزندقة. توفي سنة ٢١٨؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٢.
(٣) عثمان بن سعيد بن خالد التميمي الدارمي أبو سعيد، قال عنه الذهبي: الإمام العلامة الحافظ الناقد، محدث هراة وتلك البلاد. توفي سنة ٢٨٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩).
(٤) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، عالم بالحديث زاهد رحالة. توفي سنة ٢٨٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٣٠.
(٥) علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني الشافعي، إمام عصره في الحديث وأول من صنف في القراءات وعقد لها أبوابًا، ولد بدار القطن من أحياء بغداد. توفي سنة ٣٨٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٦) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، أبو عبد الله العبدي، الأصبهاني، من كبار حفاظ الحديث. صاحب التصانيف. توفي سنة ٣٩٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٩ - ٤٢.
(٧) هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، أبو القاسم اللالكائي، حافظ للحديث، من فقهاء الشافيعة من أهل طبرستان، فنسبته إلى بيع اللوالك التي تلبس في الأرجل على خلاف القياس. توفي سنة ٤١٨؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤١٩.
[ ١٩٠ ]
للصابوني (^١)، و(الحجة في بيان المحجة) لأبي القاسم التيمي الأصبهاني (^٢)، وغيرها كثير، يرى الناظر فيها أنهم أثبتوا كل ما ورد في كتاب الله ﷿ من صفاته وما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ، كما رووا في تلك الكتب روايات عديدة عمن تقدمهم من الأئمة والعلماء تحدد موقفهم ومنهجهم في صفات الله ﷿.
من ذلك: ما روي عن الإمام أحمد أنه قال في الأحاديث"إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا "، و"أنه يضع قدمه " وما أشبه ذلك: "نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى (^٣)، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما قاله رسول الله ﷺ حق إذا كانت بأسانيد صحيحة ". وقال أيضًا: "يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول " وقال: "المشبهة تقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه " (^٤).
وقال نعيم بن حماد (^٥): "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف
_________________
(١) إسماعيل بن عبدالرحمن بن أحمد بن إسماعيل، لقبه أهل السنة في خراسان بشيخ الإسلام، فلا يعنون عند إطلاقهم هذه اللفظة غيره. توفي سنة ٤٤٩؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٠
(٢) إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التيمي الأصبهاني يلقب بقوام السنة، من أعلام الحفاظ. توفي سنة ٥٣٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٨٠.
(٣) مراده بقوله (ولا معنى) أي لا نتأوله كما تأولته الجهمية وإنما معناه تلاوته والإقرار بما دل عليه لفظه فإن هذا مذهب السلف فقد روى اللالكائي بسنده عن الزهري ومكحول أنهما كانا يقولان: «أمروا الأحاديث كما جاءت» وروى عن سفيان بن عيينة انه قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل» شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٤٣٠
(٤) إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى (١/ ٤٥).
(٥) نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي، أبو عبد الله، الإمام، العلامة، الحافظ. أول من جمع المسند في الحديث. توفي سنة ٢٢٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٩٥ - ٦١٢.
[ ١٩١ ]
الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه". (^١)
وقال الصابوني في عقيدته: " أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم يشهدون لله بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالة ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه … " (^٢).
فمن هنا نحدد أن للسلف ﵏ في إثبات الصفات ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله ﷿ نفيًا وإثباتًا.
القاعدة الثانية: نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق في الصفات.
القاعدة الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات (^٣) وسنذكر بإيجاز أدلة كل قاعدة وما يتعلق بها:
_________________
(١) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٥٣٢)، شرح الطحاوية (ص ٦٦).
(٢) عقيدة أصحاب الحديث (ضمن المجموعة المنيرية) (١/ ١٠٦).
(٣) انظر هذه القواعد الثلاث في الحجة في بيان المحجة (١/ ٩٤ - ٩٧)، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني (١/ ١٠٦ - ١٠٧)، إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى (١/ ٤٣)، ذم التأويل لابن قدامة (ص ١١)، الرسالة التدمرية (ص ٤)، منهج دراسة آيات الصفات للشنقيطي (ص ٦، ٤٤)، معتقد أهل السنة والجماعة للتميمي (ص ٩٥).
[ ١٩٢ ]
القاعدة الأولى: (الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله ﷿ نفيًا وإثباتًا).
قد دلت الأدلة الكثيرة على وجوب الالتزام والأخذ بكل ما ورد في الكتاب والسنة في هذا الباب وغيره من أبواب التوحيد والدين ومن هذه الأدلة العامة:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر (٧)، وقوله ﷿ ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ الأعراف (٣) وقال ﷿ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الأنعام (١٥١)، وقال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ النساء (٥٩).
فهذه الآيات دالة بعمومها على وجوب التزام وأخذ كل ما ورد في الكتاب والسنة، ومن ضمن ذلك ما يتعلق بصفات الله تعالى وأفعاله، بل إن هذا الأمر ليس له طريق إلا الوحي، لأن الله ﷿ غيب عنا فلم نره ولم نر شبيهًا له، فليس أمامنا لمعرفته إلا الخبر، وليس أعلم من الله تعالى ولا أصدق منه جل وعلا، كما قال تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ البقرة (٢٣١) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ كما لا أحد أعلم بالله تعالى من رسوله ﷺ، وقد أوتي جوامع الكلم، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كما قال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم (٥٣_٥٤)
فمعرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة لا يمكن أن يتوصل إليها إلا من خلال الوحي، وما عدا ذلك إنما هو من باب الخرص والتخمين.
ولا بد أن نشير هنا إلى أن إثبات صفات الله تعالى وفق نصوص الشرع
[ ١٩٣ ]
يلزم منه أمور عدة:
أ- أن الصفات المثبتة لله ﷿ وفق نصوص الشرع كثيرة منها: الوجه واليدان والعلو والعلم والكلام والسمع والبصر والقدرة والإرادة والحياة والرضى والغضب والرحمة، وغير ذلك.
والله ﷿ موصوف بها على صفة الكمال، الذي لا يلحقه فيها نقص بوجه من الوجوه، لأنه سبحانه الكامل من كل وجه، وقد دلت الآيات الكثيرة على ذلك، فمن ذلك قوله ﷿ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ الصافات (١٥٩) التي تدل على تنزيه الله ﷿ عن كل نقص وعيب (^١)، وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة (٢٥٥)، فهذا في كمال العلو له سبحانه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ النساء (١٦٧) وهذا في كمال العلم، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ الملك (١٩) وهذا في كمال البصر ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة (٢٠) في كمال القدرة.
كما ينفى عن الله ﷿ كل ما نفاه عن نفسه سبحانه أو نفاه عنه رسوله ﷺ مثل قوله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ فاطر (٤٤) ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ البقرة (٢٥٠) ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ الجن (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الإخلاص (٤) ونحو ذلك.
وكل صفة منفية عن الله ﷿ فهي دليل من وجه آخر على الكمال، فنفي العجز دليل على كمال القدرة، ونفي السنة والنوم دليل على كمال الحياة والقيومية، ونفي الصاحبة والولد دليل على كمال الغنى وكمال الوحدانية، ونفي المكافئ والمماثل دليل على وحدانيته في صفاته، فلا مثيل له جل وعلا سبحانه.
ب- إن من الصفات الثابتة في القرآن ما يكون كمالًا في حال دون
_________________
(١) انظر معنى «سبحان الله» في تفسير ابن كثير (١/ ٧٣، ٧٥).
[ ١٩٤ ]
حال، فلا تثبت لله بإطلاق ولا تنفى عنه بإطلاق، وإنما تثبت في الحال التي تكون كمالًا، كما في الكيد والمكر والخداع والاستهزاء.
فهذه الصفات لم يثبتها الله ﷿ لنفسه إلا في مقابل فعل أعدائه، فيكون معاملتهم بجنس فعلهم، من الكمال في الانتقام منهم وعقوبتهم، وذلك في مثل قوله ﷿ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران (٥٤) ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ النساء (١٤٢) ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ الطارق (١٥ - ١٦).
جـ- ما لم يرد إثباته ولا نفيه في الكتاب والسنة فلا يجوز إطلاق القول به، لأنه من باب القول على الله بلا علم، وقد حرم الله ذلك كما في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف (٣٣).
والواجب في مثل ذلك التوقف ومعرفة المعنى المراد، فإن كان المعنى المراد حقًا قبل وغير اللفظ إلى ما يتفق مع الشرع حتى يؤمن اللبس، وإن كان المعنى المراد باطلًا رد لفظه ومعناه. وهذا مثل نفي المتكلمين للجهة والمكان والجسم ونحوها، فإنه إن أريد بالجهة والمكان جهة السفل أو مكان يحوي الله ﷿ ويحوطه فهو معنى باطل مردود، وإن أريد بالجهة العلو أو المكان فوق العرش فهو معنى حق ثابت لله ﷿، ولكن يغير اللفظ إلى العلو والاستواء على العرش ليؤمن اللبس، وكذلك الجسم إن قصد به جسم مركب من الأعضاء فهو معنى باطل، وإن أريد به الذات الموصوفة بالصفات فهذا حق ثابت لله ﷿ بالأدلة فيثبت المعنى وينفى اللفظ حتى يؤمن اللبس (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٤١ - ٤٢)، القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص ٥٣ - ٧٩).
[ ١٩٥ ]
القاعدة الثانية: (نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق في الصفات).
مما يجب اعتقاده في هذا أن الله ﵎ موصوف بالصفات على صفة تليق بجلاله وعظمته، وأن المخلوق موصوف بصفات على صفة تليق بضعفه وعجزه وحاجته، فلا تُمَاثِل صفات الخالق صفات المخلوق، فإن الله ﷿ لا يماثله سبحانه شيء في صفاته.
وقد دلت الأدلة على ذلك وهي قوله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى (١١) وقوله ﷿ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الإخلاص (٤)، وقوله ﷿ ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مريم (٦٠) وقوله تعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ النحل (٧٤).
فهذه الأدلة دالة على أن الله سبحانه لا يماثله ولا يشابهه ولا يكون مساويًا له بحال من الأحوال أحد من خلقه وهذه هي وحدانيته سبحانه في الصفات فلا يماثله أحد فيها.
ومن الجدير بالذكر هنا التنبيه على أهمية هذه القاعدة، وذلك أن المخلوق موصوف بصفات كثيرة، منها السمع والبصر والعلم والكلام واليد والوجه والقدرة، وغير ذلك، والله تعالى موصوف بتلك الصفات.
فقاعدة نفي المماثلة يتم بها التفريق بين ما اتصف به الله تعالى من الصفات، وبين ما يتصف المخلوق به من الصفات التي قد تتفق مسمياتها عند الإطلاق، إلا أنها تختلف وتتباين وتتميز عند التقييد والتخصيص، فإذا قيل سمع الله وبصر الله فهو يليق بجلاله وعظمته وكماله، وإذا قيل سمع زيد أو عمرو فإن المخلوق موصوف به على صفة تناسب ضعفه وعجزه وأنه مخلوق مربوب.
ويمكن أن تفهم هذه القاعدة بسهولة ووضوح، إذا أدركنا أن كل موصوف بصفة فإن صفاته تلائم ذاته، فمثلًا الإنسان موصوف بالحياة والبصر
[ ١٩٦ ]
والسمع والقدرة، والنملة والفيل كل منهما موصوف بذلك، إلا أن ما يقوم بالإنسان منها يتلاءم ويختلف عما يقوم بكل من النملة والفيل، فكل منهما صفاته تلائم ذاته.
والتماثل في الأسماء لا يلزم منه التماثل في المسميات، بل قد يكون هناك فارق كبير جدًا بين المسميين، مع أن مسماهما واحد. ومثل هذا ما ذكر الله تعالى في الآخرة مما في الجنة، وموجود في الدنيا من جنسه، مثل الرمان والطير والأنهار والعسل، فما في الدنيا لا يقارن بما في الآخرة ولا يشابه به. كما قال ابن عباس ﵁ "ليس في الدنيا من الجنة إلا الأسماء". (^١)
فإذا كان هذا التفاوت بين المخلوقات، فلا شك أن التفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم وأكبر بكثير من التفاوت بين المخلوقات بعضها مع بعض (^٢).
القاعدة الثالثة: (قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات).
مما يؤمن به السلف في باب صفات الله ﷿ أنهم يثبتونها ويؤمنون بها، وهم في الوقت نفسه يجهلون كيف يتصف الباري ﵎ بتلك الصفات.
وذلك لأن الله ﷿ قد أخبرنا بالصفات، ولكنه جل وعلا لم يخبرنا بالكيفية، كما أخبرنا جل وعلا بأنه سبحانه لا يمكن أن يحاط به علما، فقال جل وعلا ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ طه (١١٠) وقال جل وعلا ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام (١٠٣).
فمن هنا كثر كلام السلف في أن الواجب على المسلم أن يؤمن بصفات
_________________
(١) ابن جرير الطبري ١/ ٣٩٢.
(٢) انظر مجموع الفتاوى ٥/ ٢٠٠ - ٢١٠.
[ ١٩٧ ]
الله ﷿ بلا كيف، كما سبق أن ذكرنا ذلك عن العديد منهم، وكما هو مشهور عن الإمام مالك (^١) ﵀ لما جاءه رجل فقال: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال: " الكيف غير معقول، الاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " (^٢).
وعن شيخه ربيعة (^٣) أنه قال: " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق" (^٤). فذهبت هذه المقولة أصلا من أصول أهل السنة وهي أن الاستواء معلوم معنىً، لأن الاستواء في اللغة: العلو والارتفاع (^٥).
أما كيفية استواء الخالق على العرش فهي مجهولة ولا نعقل كيف يكون ذلك، والإيمان بالاستواء واجب شرعا لورود النصوص العديدة به.
وعدم العلم بكيفية الصفات لا ينفي الصفات ولا يقدح في الإيمان بها وإثباتها. لأن الله ﷿ أخبرنا بالصفة ولم يخبرنا بالكيفية وطلب منا الإيمان بها ولا تنافي في ذلك، فإن هناك أشياء عديدة نؤمن بها من مخلوقات الله ونحن لا نعرف
_________________
(١) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي أبو عبد الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة. توفي سنة ١٧٩ هـ. التقريب ص ٣٢٦.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٣٩٨)، الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٤٠٨).
(٣) ربيعة بن فروخ التيمي، أبو عثمان، إمام حافظ فقيه مجتهد، كان بصيرًا بالرأي، لقب «ربيعة الرأي» وكان من أئمة الاجتهاد. توفي سنة ١٣٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٨٩.
(٤) المصدران السابقان.
(٥) انظر: قول الأخفش في اللسان (١٣/ ٤١٤)، وانظر: صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التوحيد (١٣/ ٤٠٣) باب وكان عرشه على الماء، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٧).
[ ١٩٨ ]
كيفيتها، منها الروح التي في الإنسان فإن الإنسان عاجز عن معرفة كنهها وحقيقتها مع أن الإنسان يحس ويشعر بها وقد أخبرنا الله بها في قوله ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء (٨٥)، فأخبرنا عن الروح ولم يخبرنا عن كيفيتها، فنحن نؤمن بها بدون أن نعرف كيفيتها وهذا لا يقدح في إيماننا بها، فكذلك ولله المثل الأعلى صفات الله ﷿ فجهلنا بكيفيتها لا ينفيها ولا يقدح في إيماننا بها.
وعلى هذا فمن كيّف صفات الله تعالى فقد افترى على الله ﷿، وقفا ما ليس له به علم، قال جل وعلا ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ الإسراء (٣٦).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
وهو توحيد الله بأفعال العباد، أو هو إفراد الله ﷿ بالعبادة وحده لا شريك له.
وهذا النوع من التوحيد أعظم حقوق الله على عباده وأعلاها شأنا وخطرًا وقدرًا، إذ هو النوع الذي يؤدي فيه العبد لله ﷿ الحق الواجب عليه له سبحانه، كما قال ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁: "أتدري ما حق الله على العباد … ثم قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا " (^١). والقيام به وأداؤه متضمن لأداء غيره من أنواع التوحيد.
كما أن القيام به لله ﷿، وإخلاص العبادة له ينسجم فيه العبد مع سائر ذرات هذا الكون الساجدة والمسبحة لله عز وجلكما قال ﷿ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب التوحيد: باب دعاء النبيصلى الله عليه وسلم أمته إلى التوحيد. انظر: فتح الباري (١٣/ ٣٤٧).
[ ١٩٩ ]
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الإسراء (٤٤) وقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ …﴾ الحج (١٨)، كما أنه أول دعوة الرسل، ولا يصح بدونه عمل، ولا يرفع بغيره إلى الله عبادة.
وقد توافرت الآيات القرآنية الكثيرة الدالة عليه، والمصرحة به، والمؤكدة له بما لا يسوغ بحال من الأحوال تجاهله أو تجاوزه إلى غيره، بل إن دعوة الأنبياء عمومًا تصب في قالبه، وكما قيل هو الألف والياء، وهو البداية والنهاية، وهو الرأس والجسد، فلا دين إلا به، ولا فلاح إلا بإخلاصه، ولا نجاح إلا بتحقيقه، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وما خلقت الجنة إلا لأهله، ولا خلقت النار إلا لمنكريه والمنحرفين عنه، بل لم يخلق الخلق إلا لتحقيقه والقيام به، وإلا فإن الله ﷿ غني حميد عزيز مجيد.
وهو أول أمر في ترتيب المصحف الكريم، قال جل وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة (٢١) وهو الإقرار الذي يقر به المسلم، ويعلنه في اليوم سبع عشرة مرة فرضًا في صلاته، وذلك بقوله ﷿ في سورة الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والآيات الدالة عليه كثيرة جدًا منها:
قوله ﷿ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ النساء (٣٦).
وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يونس (٣) وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف (٤٠).
وقال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ طه (١٤).
[ ٢٠٠ ]
وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء (٣٥) وقال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات (٥٦).
وهذا النوع من التوحيد هو الذي بسببه قاتل النبي ﷺ الكفار حتى يقروا به، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (^١).
وهذا النوع من التوحيد هو المسمى توحيد العبادة. والذي يعني إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. والعبادة مثل: الخوف والرجاء والتوكل أو الدعاء والذبح والنذر والصلاة والزكاة والحج والصيام، ونحو ذلك من العبادات التي أمر الله تعالى بها.
ومن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر، الذي يحبط العمل من أصله، كما أنه يفسد الإيمان، ولا يقبل الله معه صرفًا ولاعدلا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الزمر (٦٥).
وقال جل وعلا بعد ذكره للعديد من الأنبياء ﵈ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام (٨٨).
وهو الذنب الذي لايغفره الله لمن مات عليه قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ النساء (١١٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم. كتاب الإيمان، ١/ ٢٠٦.
[ ٢٠١ ]
وصاحبه مخلد في النار أبد الآباد. قال تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ المائدة (٧٢).
وما ذلك إلا لأن المشرك أظلم الظالمين وأفجر الفاجرين لأنه قد صرف ما هو حق خالص لله تعالى إلى من لا يستحق منه شيئًا ألبته، وأعرض عن ربه وخالقه، والمنعم عليه، والمتصرف فيه إلى من لا يملك من ذلك شيئًا.
هذا هو منهج السلف في توحيد الله تعالى في ألوهيته، ومنهجهم في توحيده سبحانه في ربوبيته وأسمائه وصفاته، ذكرته على سبيل الاختصار.
وهو منهج ظاهر، واضح اعتماده على الخبر الصحيح، والعقل الصحيح، فليس فيه ولله الحمد شيء، يحيله العقل، بل هو مقبول عقلًا، بل إن العقل مضطر إلى كثير من مسائله.
فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
[ ٢٠٢ ]