ولقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة على البعث مستدلا بالنشأة الأولى على النشأة الأخره، ومبينا أن الله قادر على كل شيء، وعالم بكل شي، فلا تعجزه إعادة الأجسام لنفوذ قدرته ولا يضيع منها شيء لسعة علمه. قيل في شرح الطحاوية: الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه، وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم وهو فطري كلهم يقرون بالرب إلا من عاند كفرعون بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﵌ لما كان خاتم النبيئين وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفى بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء.
الإنسان يتطور في الخلق ويتحول من حال إلى حال كالأرض وما تخرجه من نبات مظهر العلم والقدرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (سورة الحج) وإذا
[ ١٨٣ ]
كان الله لم يعي بخلق السماوات والأرض ولا يزال يخلق ويرزق، ويحيى ويميت، فهل يستبعد بعد هذه المشاهدة المنظورة أن يعيد الخلق مرة أخرى ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إن إنكار البعث وإعادة الحياة مرة أخرى بعد هذه الدلائل البينة في الأنفس والآفاق لا معنى لها
وأما الذين أنكروا البعث فرد الله عليهم بأن استبعادهم لا معنى له، لأنهم يجهلون عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته، وأنهم لا يبصرون في أنفسهم، فأنفسهم أدل الدلائل وأقوى الحجج على نفي ما ينكرونه من البعث، فالله أحياهم أولا، وأماتهم ثانيا، ولا تزال القدرة صالحة لإحيائهم مرة، وجمعهم مرة أخرى يوم القيامة، فأي استبعاد في هذا؟ ..
قال في شرح الطحاوية: (فالنشأتان نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان من وجه ويفترقان ويتنوعان من وجوه. المعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم (البدء) فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير ثم رآه وقد صار شيخا علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائم في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، من رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة قال: هذه تلك، وليست صفة لتلك النشأة الثانية مماثله لصفة هذه النشأة حتى يقال: إن الصفات هي المغيرة، لاسيما أهل الجنة إذا دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم ﵇ طوله ستون ذراعا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، وروي أن عرضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية معرضة للآفات) اهـ.