تأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة وهي: " الله، الرب، الرحمن" كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثواب، والعقاب؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؟ فلها الجمع والفرق.
فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات. فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره، فاجتمعوا بصيغة الربوبية، وافترقوا بصفة
[ ١٠٤ ]
الالهية، فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعا لأنه الله الذي لا إله إلا هو الذي لا تنبغي العبادة والتوكل، والرجاء، والخوف. والحب والإنابة والإخبات والخشية، والتذلل والخضوع إلا له.
وهنا افترق الناس وصاروا فريقين:
- فريقا مشركين في السعير.
- وفريقا موحدين في الجنة.
فالالهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم فالدين والشرع. والأمر والنهي، مظهره وقيمامه: من صفة الالهية. والخلق والايجاء والتدبير والفعل: من صفة الربوبيه. والجزاء بالثوات والعقاب، والجنة والنار من صفة الملك وهو ملك يوم الدين. فأمرهم بالهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله، وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتالية منهم له، والربوبية منه لهم. والرحمة سبب وأصل بينه وبين عباده. بها أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وأسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم، فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينه وبينهم سبب الرحمة
واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مطابق لقوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها، فوسع كل شيء برحمته وربوبيته.
[ ١٠٥ ]