الأقدار المحيطة بالإنسان على ثلاثة أنواع:
النوع الاول: لا يستطيع الإنسان دفعه مهما يكن له من القوة والبطش، ولابد أن ينفذ، وأنف الإنسان راغم.
النوع الثاني: لا يمكن للإنسان أن يقاومه كل المقاومة، ولكن يمكنه تخفيف حدته، وتلطيف شدته.
النوع الثالث: نوع جعل الله في وسع الإنسان أن يدفعه بل أوجب عليه أن يدفعه، وأن يبذل في سبيل ذلك كل ما يملك من قوة وجهد. وهذا إجمال يحتاج الى تفصيل: ..
النوع الأول:
أما القدر الذي هو وراء قدرة الإنسان، ولا تناله قوته، ولا يستطيع دفعه مهما يكن له من قوة وسلطان فهو القدر المتصل بنواميس الكون، وقوانين الوجود وهو االقدر الغالب إبتداء وإنتهاء، فليس في وسع الإنسان أن يوقف دورة الفلك، أو يأتي بالربيع مكان الخريف، أو بالشتاء مكان الصيف، أو يعطل جاذبية الأرض.
ومن ذلك سنن الوجود: أن يولد الإنسان دون غيره، ومن فلانة دون غيرها، وأن يكون أبيض اللون أو أسمره، طويل القامة أو قصيرها، ذكيا أو غبيا، الى غير ذلك من الأقدار التي ليس للإنسان يد في إحداثها ولا قدرة له على، تغييرها
ومن أجل ذلك لم يكلف الله الناس شيئا بهذا لأنه لم يكن في وسع أحد أن ينهض به، ويلحق بهذا النوع. المصادفات البحتة التي لابد للإنسان في إحداثها، والتي لم يأت الخير فيها بجده، ولا الشر بسعيه، كأن علق شخص آماله على إنسان فمات، أو وضع ماله في حرز أمين فاحترق أو وافته صفقه تجارية ما كان ينتظرها فربح منها مالا كثيرا، أو غير ذلك
[ ٢١٧ ]
من الأسباب التي لابد فيها للإنسان، وبهذه الأمور تهدى فطرة الإنسان الى أن هناك قوة فوق قوى البشر تسيطر على الإنسان وتخضعه لتصرفاتها فتأتيه بالخير من حيث لا يحتسب لحكمة لا يعلمها وترميه بالنوائب من حيث لا يقدر لسر يجهله
تلك قدرة الله الغالب على أمره، القائم على كل نفس بما كسبت الذي له الخلق والأمر، وهو أحكم الحاكمين، ذلكم هو القدر الذي ينبغي أن يتلقى الإنسان أحكامه بالرضا والتسليم والإمتثال، وإن رآها شرا، وبالحمد والشكر، وإن رآها خيرا، ذلكم هو القدر الذي يشير إليه الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (سورة الحديد). ويقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة التغابن). فلو تدبرنا هذه الايات حق تدبرها لوجدناها تنطق بالحق، وتشهد بالصدق، وتعلن في صراحة وجلاء أنه سبحانه يدبر الكون بعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته فلا يقع فيه شيء إلا بإذنه لوجدنا فيها عزاء للذين تعتريهم الكوارث، وتمسهم النكبات إذ تنزل السكينة في قلوبهم وترد إليهم عازب الصبر، أو تلهمهم الرضا والتسليم
ولوجدنا فيها كذلك كبحا لجماح النفوس السادرة في غلوائها المدلة بما حولها ربها من الخير والنعمة التي يستهويها شيطان الغرور فينسيها شكر النعم وحمد المتفضل.