قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن ذلة العبد لربه ذلة عز وحق لا باطل فيها فإن الخلق والأمر، والغنى والملك لله
_________________
(١) قال في المختصر- ضعيف- أسانيده ضعيفة، لكن يتقوى بعضها ببعض- انظر- الفوائد المجموعة- للشوكاني-
[ ١٥٠ ]
وحده لا شريك له، ومصير العباد رهن إشارته وطوع إرادته. والناس حينما يكونون في أرقى أحوالهم تعنو جباههم لرب العزة في السجود خاشعين
أما ذلة العبد لعبد مثله فباطلة لا ريب فيها، والمتكبر عن الناس متطاول يزعم لنفسه ما ليس لها. وقد حرم الإسلام الكبر وحرم الذل، وأوجب العزة. قال رسول الله ﵌: " من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار " (١) لأن الكبر وصف الله، ولا ينبغي لبشر أن ينازع الله وصفه المستحق له، تكبر الناس هي خصال مذمومة وفي طليعتها جحد الحق وجهل الواقع وسوء العشرة وتجاوز الحدود. الإسلام حرم على المسلم أن يهون نفسه، أو يذل، وفي الحديث الشريف قال ﵊: "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢) يجب على المؤمنين أن يتعاونوا.
قال الله ﷿ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (سورة النساء) ويجب عليهم أن يتحابوا كما وصفهم الرسول - ﷺ - قال: "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة: قال: وكان في ناحية المسجد أعرابي فجثا على ركبتيه ورمى بيديه، ثم قال: حدثني يا رسول الله عنهم من هم؟ قال: فرأيت في وجه النبي البشر، فقال النبي - ﷺ -: "هم عباد من عباد الله هم من بلدان شتى، وقبائل شتى، من شعوب القبائل لم تكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتبادلون بها، يتحابون بيص وح الله، يجعل الله وجوههم نورا، ومجعل صمم
_________________
(١) رواه مسلم- من حديث ابن مسعود-
(٢) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما- عن النعمان بن بشير-
[ ١٥١ ]
منابر من نور يفزع الناس ولا يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون" (١) أخرجه الإمام البغوي في السنن ورواه أبو داود.
والتوجيه النبوي الشريف يحث على تدعيم علاقة المحبة بين المؤمنين لتحقق الأمة المجد لنفسها، والعزة بين الأمم أن تحيا حياة الشرف لتكون مسموعة، ويكون ذلك من ثمرات الإيمان بالله ﷿ الإيمان ليس دعوة تقال بلا عمل وليس شعارا يرفع بلا مضمون، وليس نظرية بلا تطبيق بل هو طريق الجهاد والتضحية بكل ما هو نفيس وغال.
القرآن يرشادنا إلى الإيمان الذي لا ينفك عن الجهاد، بل إن الجهاد تطبيق عملي له، ويحمل حملة عنيفة عن أولئك الذين يريدون أن يحققوا لأنفسهم، أو لأمتهم أمجادا رخيصة سهلة عن طريق رفع الأصوات وكثرة الادعاءات، إن هذا الصنف من الناس وجد في الأمة الإسلامية، ولكن كشفهم القرآن ليكونوا عبرة لمن يسلك سبيلهم كان هذا الصنف يتمنى أن يأذن الله له في القتال قبل مجيء أوانه فلما كتب عليهم القتال أصبحوا يخشون الأعداء أكثر مما يخشون الله، قال الله ﷿ في هذه الطائفة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، هذا الفريق الجبان لا يحقق مصالح، ولا تعتز به دعوة، ولا يسعد به وطن، بل يضيع ما حققه غيره من عزة وكرامة، وعلى كل حال لا تخلوا الأمة من مجاهدين يصمدون في البأساء والضراء وحين البأس لأنهم متيقنون أن النصر من عند الله، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة المجادلة) وقال أيضا في (سورة غافر): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾
_________________
(١) رواه أبو داود.
[ ١٥٢ ]
ولكن نصر الله للمؤمنين له أسباب ثلاثة: الصفة الأولى أن ينفي المسلمون العجز والقصور عن أنفسهم.
الصفة الثانية: أن يكونوا أقوياء بمعنوياتهم أمام الأعداء، ويتركوا الضعف والخور والخشية منهم.
الصفة الثالثة: أن يتركوا الإستكانة التي تزحف على أنفسهم فتنهار أرواحهم من الهلع فيجب أن يبعدوها عن أنفسهم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران) وخير الله الإنسان بين محبته، ومحبة غيره من مباهج الدنيا فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة).
جعل الله ﷾ مباهج الدنيا في كفة وحب الله ورسوله وجهاد في سبيله في كفة أخرى، والإنسان يختار ما بين هذا وذلك، فإن اختار المباهج قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فيه تهديد ووعيد شديدان، وإن اختار حب الله ورسوله وجهاد في سبيله على مباهج الدنيا وزينتها فذلك المؤمن حقا
المؤمن هو الذي أدرك جمال الله وجلاله، واستشعر لطفه وإحسانه، وعلم علم اليقين أنه هو المنعم عليه ثم تأثر بهذا الإدراك فأحبه، فأصبح قلبه مشغولا به، وعمله موجه إليه، فلذته وارتياحه في طاعة الله وعدم مخالفة أوامره، يتحمل في ذلك ما يتحمل راضيا مغتبطا قرير العين، مطمئن القلب
فحب العبد لله هو إيمان حق، ولا يكون بمجرد المعرفة وإذعان
[ ١٥٣ ]
النفس، بل يؤثر على النفس، وتبدو أثاره في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته
أما الإيمان الذي لا يعدو الإذعان النفسي والإقرار القلبي فهذا الإيمان الذي لا يريده الله من عباده قال رسول الله ﵌: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (١) رواه البخاري ومسلم فحب الله من أهم القواعد في بناء الأخلاق، وهو محول أرواح المؤمنين إلى أرواح لطيفة لا يصدر عنها شر ولا عدوان، وهذا بالطبع لا يتيسر إلا عندما يغلب الصفاء على النفس فتنسى البغض والحقد والحسد وسائر الدسائس والمكائد
وحب الله لعباده لم يثبته القرآن إلا لذوي الأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ وقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
ونفي حبه عن الذين يتصفون بصفالت الفساد والإلحاد والكفر قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وأما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم والترميذي والنسائي
[ ١٥٤ ]
وفي الحديث الشريف: "إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فابغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" (١) رواه مسلم عن أبي هريرة.
أسأل الله أن يرزقنا محبته، ويجعل لنا من أنواره يرينا الخير من الشر، ويعرفنا الحق من الباطل حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ومن الموصوفين بقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير
_________________
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة.
[ ١٥٥ ]