النفخات ثلاثة: الأولى: نفخة الفزع وهي التي يتغير بها العالم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، والنفخة الثانية: نفخة الصعق قال تعالى:
[ ١٨٤ ]
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ والنفخة هذه هي التي فيها الهلاك لكل شيء، والنفخة الثالثة: نفخة البعث والنشور قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ..
وفائدة الإخبار بالآخرة لينتبه الإنسان فيأخذ بالأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة ..
وقد جعل الله الدار ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تخصها. وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضرت بالنفوس.
وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعا لها فإذا كان يوم القيامة عند بعث الأجساد، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، صار النعيم والعذاب على الأرواح والأجسام معا.
واختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة أين تكون؟ والراجح في ذلك أن الأرواح تكون متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم أعظم تفاوت كما رآهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء، وأرواح بعض الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وبعض الشهدأء تحبس أرواحهم عن دخول الجنة لدين عليهم، أو غيره كما جاء في المسند عن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: "الجنة" فلما تولى قال: "إلا الدين، سارني به جبريل آنفا"، ومنهم من يكون محبوسا على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوسا في
[ ١٨٥ ]
قبره، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال النبي - ﷺ -: "والذي نفسي بيده أن الشملة التي عليه لتشتعل عليه نارا في قبره". ومنهم من يكون مقره باب الجنة كما في حديث ابن عباس: "الشهداء على بارق نهر باب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشيا" (١) رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر ابن أبي طالب ﵁ حيث أبدله الله من يديه بجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء (٢)، ومنهم من يكون محبوسا في الأرض لم تعل روحه إلى الملإ الأعلى، إنها كانت روحا سفلية، ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتلقم الحجارة فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض.