يمتحن الله سبحانه عباده، وهو أعلم بهم لتنهض حجته عليهم وتنقطع أعذارهم، وتدحض حجتهم ولستوحي الصابر جزاء صبره، ويستحق الشاكر ثواب شكره قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة الأنبياء). وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ
[ ٢١٨ ]
يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العنكبوت).
النوع الثاني:
أما القدر الذي لا يستطيع الإنسان أن يقاومه كل المقاومة ولكن في إمكانه تخفيف حدته وتلطيف شدته فهو ما يتصل بالغرائز والبيئة والوراثة، وما الى ذلك، فهو غالب إبتداء، ولكنه مخير انتهاء.
توضيح ذلك: إن الله تعالى قدر على الإنسان غريزة حفظ الذات.
وهذه الغريزة جامحة طاغية عنيفة لو ألقى حبلها على غار بها لاقتحمت بالإنسان مخاطر ومهالك، ودفعته الى أن يظفر بكل ما تمكنه قوته من الظفر به غير مبال ولا حافل بسواه.
لم يفرض الله ﷾ على الإنسان أن ينتزع هذه الغريزة من جذورها، أو يقتلعها من أصولها لأنها قدر غالب لا سبيل الى دفعه، ولكنه أمره أن يكبح جماحها ويردها عن طغيانها، وعلمه كيف يخفف من حدة هذا القدر، وكيف يلطف من جموحها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (سورة النساء)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (سورة النساء)، قال أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (سورة البقرة)، ومن هذه النصوص الحكيمة ترون أن الله حضر على الإنسان أن يعتدي على حق غيره، وأن يأكل ما لم يكسبه من طريق طيب مباح، وبذلك يخفف من حدة هذه الغريزة، ويحد من طغيانها.
وهنا يشعر الإنسان بأنه حر مخير بين أن يستجيب لداعي الغريزة الجموح، وأن يستجيب لأمر الله الحكيم الذي لم يكلفه إلا ما له به طاقة.
[ ٢١٩ ]
وقدر عليه سبحانه غريزة حفظ النوع، وهي كذلك جامحة شرود طاغية، فلو أرخى لها العنان لأصاب الرجل كل امرأة تروقه، واستسلمت المرأة لكل رجل يحظى بإعجابها
وكذلك لم يكلف الله الإنسان أن يجتث هذه الغريزة من عروقها، لأن ذلك قدر غالب لا قبل للإنسان بمقاومته والخروج على أحكامه، ولكنه تعالى كلفه المستطاع وهو الحد من طغيان هذه الغريزة، وكبح جماحها، وتدبير أمرها، فحرم الزنا، وحرم أنواعا من النساء تحريما مؤبدا وحرم أنواعا منهن تحريما مؤقتا وأباح سائرهن بشرط الإيجاب والقبول، والمهر والشهود، وإذن الولي وقد نصح الرسول - ﷺ -، بما يكسر من حدة هذه الغريزة إذا طغت فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ونهى ﷾ عن مخالطة الأشرار للتخلص من شرور البيئة فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (سورة النساء)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (سورة الانعام)، وقال - ﷺ -: "مثل الجليس الصالح، وجليس السوء: كبائع المسك، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا زكية" (١)، فنشأة الإنسان في بيئة خبيثة من القدر الغالب الذي لا سلطان له عليه، وأما محاولة التخلص من شرها ففي وسعه، ومن أجل ذلك كلفه الله تعالى إياها.
_________________
(١) رواه البخاري- عن ابي موسى- صحيح.
[ ٢٢٠ ]
ولكي يقاوم سلطان الوراثة غالب الناس يحرصون على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (سورة البقرة)، وقال في الأثر: "إياكم وخضراء الدمن قالوا وما خضراء الدمن قال المرأة الحسناء في منبت السوء" (١)، فنرى من هذا أن أقدار الغرائز والبيئات والوراثات غالبة لا سلطان للإنسان عليها، ولكنه يستطيع أن يصد طغيانها ويحد من سيء آثارها وأن يلجمها بلجام الحكمة فتكون كلها خيرا نافعا.
النوع الثالث:
أما النوع الثالث- وهي الأقدار التي أوجب الله تعالى على الإنسان أن يدفعها- فهي الأقدار المتصلة بالأعمال الإختيارية، ومنها التكليف الشرعي، وهذه الأقدار الخيرة ابتداء وغاية.
جاء رسول الله - ﷺ - قومه بالهدى ودين الحق فكذبوه ورموه بما رموه به، وحالوا دون نشر دعوته، وإعلان كلمة الحق، ولا جرم أن ذلك كله من قدر الله، فماذا كان من أمره ﵊؟ أتظنون أنه خضع لأحكام هذا القدر، واستسلم لسلطانه ووقف أمام أعدائه مكتوف اليدين؟ أتظنون أنه ترك حبل الدعوة على غاربها، وقبع في كسر بيته انتظارا لما تأتي به الأقدار؟ كلا بل قاوم، وناضل وجاهد، وقاتل وبذل كل ما في وسعه، وأنفق جهد طاقته لينحي أعداء الحق من طريقه، حتى أيده الله بنصره، وذلك من قدر الله أيضا فها نحن أولا قد رأينا رسول الله - ﷺ - قد دفع قدرا بقدر، ونحن في كل حين ندافع أقدارا بأقدار
فالجوع مثلا من القدر ونحن ندفعه بقدر الطعام، والعطش من القدر، ونحن ندفعه بقدر الشراب، والمرض من القدر، ونحن ندفعه بالدواء وهو من القدر أيضا ولو أن امرأ استلسم لقدر الجوع أو الظمأ مثلا وهو قادر على دفعه، ثم مات مات عاصيا لله تعالى الذي نهاه عن أن
_________________
(١) قال الدارقطني- لا يصح من وجه وفي المختصر- ضعيف قال في المقاصد- تفرد به الواقدي.
[ ٢٢١ ]
يلقي بنفسه الى التهلكة قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البقرة)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (سورة النساء).
وقد أفصح رسول الله - ﷺ - عن هذا كل الإفصاح، وأوضحه كل الإيضاح حين قيل له: "يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نستقي بها، وتقى نتقي بها أترد من قدر الله شيئا؟ فقال ﵊ هي من قدر الله" (١). فانظر الى هذا الجواب الحكيم الذي يحفز الهمم الى العمل النافع ويهيب بالناس الى إتخاذ الأسباب والإمعان في الحذر. قال تعالى في الثناء على المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (سورة الرعد)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فصلت)، فقد أخبرنا ﷾ في الآية الأولى عن المؤمنين بأنهم يدرءون بالحسنة السيئة، والسيئة من قدر الله، والحسنة التي يدفعونها بها من قدر الله أيضا فهم يدفعون قدرا بقدر كما رأيتم، وفي الآية الثانية يأمر الله سبحانه بالدفع بالتي هي أحسن. والتي هي أحسن هي الحالة أو الصفة الحسنة تدفع بها الحالة أو الصفة السيئة وكلتاهما من قدر الله سبحانه، فهو يأمر أن تدفع القدر بالقدر
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة الانفال). فقد أمر الله تعالى بإعداد المستطاع من العدة ارهابا للعدو والمستطاع هو ما يدخل في قدرة الإنسان وإختياره وكل هذا من باب دفع الاقدار بالأقدار وهو في وسع الإنسان وفي صميم إمكانه
_________________
(١) أخرجه أحمد والترميذي والحاكم وابن ماجه- في سنده مجهول وباقي رجاله ثقات انظر ترجمة أبي حزامة في التهذيب وفي الباب عن حكيم بن حزام عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢٢٢ ]
قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (سورة النساء)، فلولا أن اتخاذ الحذر مستطاع، وفي الإمكان وفي مقدار الإنسان ما أمر الله العليم الحكيم به لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة).
[ ٢٢٣ ]