قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ (١) أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (سورة الإسراء ٥٧).
شرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب، فيه أكبر مسائل أهمها وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة. قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة والوسيلة الراغب فيها إلى الله تعالى.
والتوسل بالنبي - ﷺ - هو الإستسقاء به في حياته وثبت التوسل بغيره أي بعد موته - ﷺ - بإجاع الصحابة إجماعا سكوتيا في حديث عمر ﵁ كما قال: "كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك" ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وأما التوسل بغيره فلا يجوز. والأصل هو أن تتوسل إلى الله بالله، كأن تقول اللهم إنا نسألك بموجبات رحمتك، أما التوسل بالعباد "فوساطة" يرفضها الإسلام لأنها نوع من الشرك.
الوسيلة: هي ما يتوسل به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة التي ترضي ألله وتدني الإنسان من ربه، وتقوى الله هي مطلوب كل مؤمن بالله، ورغبة كل طامع في رضى الله، ساع إلى مرضاته ولهذا فقد أمر الله الذين آمنوا بالتقوى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (سورة الحشر ١٨). فليس الإيمان هو مجرد الايمان، وإنما الإيمان هو الذي ينتج التقوى ويستشعر المؤمن أن النهاية عظيمة وأن الحساب عسير إلا على المتقين.
_________________
(١) قال الراغب: الوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة وهي أخص من التوسل لتضمنها معنى الرغبة.
[ ٧٦ ]
والتقوى هي اجتناب محارم الله، وامتثال أوامره، أو هي كما عرفها بعض العارفين: "ألا يراك حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك".
التقوى صعب المنال، غالي الثمن، لا يقدر على الوفاء به إلا من رزقه الله قوة الإيمان، وثبات اليقين ووثاقة العزم تلك هي بعض الوسائل التي يتوسل بها إلى التقوى وما يأخذ به بعض المسلمين من التوسل بالأموات ممن يعتقد في صلاحهم واستقامة سلوكهم في الحياة فيلمون بقبورهم وأضرحتهم طالبين قضاء حوائجهم التي قصرت عنها أيديهم ..
والذي يأباه الدين هو زيارة كثير من الناس قبور الصالحين وتمسحهم بها ومناجاتهم وطلب الغوث منهم حتى كأن هذا الرجل الصالح يتصرف في الكون ..
قال الإمام الشوكاني عند تفسيره لهذه الآية قال: "قد أكثر الناس من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وألا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا، وألا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب، أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير، ودفع الأذى، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ..
فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله القوي الغني الفعال لما يريد" انتهى.
وكما وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي - ﷺ - منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق- أبو بكر ﵁- هيا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فجاءوا إليه، فقال: - ﷺ - "إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" (١) من عرف
_________________
(١) رواه الطبراني في معجمه.
[ ٧٧ ]
سر ذلك فلا يستغيت بالموتى ولا يطلب منهم شيئا وإنما يستغيث بالله ويطلب من الله.
قال ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (سورة الزخرف).
فاستثنى خليل الرحمن من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البرآءة وهذه المولاة هي الشهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقوله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة). بين الله ﷾ أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في غير معصية لا دعائهم إياهم أربابا فهذا هو عين الشرك ..
وفي الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿" وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله) فإنه لم يجعل التلفظ عاصما للدم والمال، بل ولا معرفه معناها مع لفظها لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه".
[ ٧٨ ]