منذ أقدم العصور أخذ الإنسان يفكر في نفسه، وفي الكون المحيط به، وكانت حرية الإنسان إحدى القضايا التي تناولها عقله، وشغلت حيزا كبيرا من تفكيره ولا تزال هذه القضية إلى يومنا هذا مثار جدل ومناقشة بين المفكرين والفلاسفة، ولا يزال اهتمامهم بها اهتماما بالغا، إذ أنها قضية تتعلق بحياة الإنسان، وتتصل بمصيره فهو يبحث فيها، ويكد، ويجد في البحث عله يهتدي إلى الحل الصحيح كي يرسم لنفسه السلوك على ضوء الحل الذي يهتدي إليه وبديهي أن الإنسان حينما حاول الكشف عن وجه الصواب في هذه القضية، وأراد البحث فيها لم يجعل ميدان بحثه الأعمال الخارجية عن إراته واختياره، ككونه أبيض، أو أسود، وككونه ولد من هذا الوالد، أو ذالك، وكنبضات قلبه، وتنفسه، وجريان الدم في عروقه، فإن هذه الأشياء خارجة عن نطاق البحث، لأن الانسان لا اختيار له فيها، وهي غير خاضعة لإرادته.
وإنما اتجه الإنسان إلى البحث إلى الأعمال الإرادية التي تدخل في نطاق إرادته واختياره، ومدى حريته في ممارسة هذه الأعمال مثل تفضيله لونا من العلم أو الكتابة، أو ممارسة حرفة من الحرف، وزيارتد لغيره وهكذا في كل عمل من الأعمال الاختيارية.
فقد اختلفت الأنظار، وتضاربت الأفكار تضاربا كادت تضيع معه معالم الحق، فمن قائل: بأن الإنسان مسيرا (١) غير مخير، ومجبر على ممارسة
_________________
(١) هذا مذهب الجبرية
[ ٢٠٦ ]
نشاطه الاختياري، وأنه كالريشة في مهب الريح، تتقاذفها ذات اليمين وذات الشمال.
ومن قائل: بأن الإنسان مخير (١) غير مسير، وأنه يمارس أعماله الاختيارية بمحض إرادته ومشيئته.
ومن قائل: بأن الإنسان ليس له من أعماله إلا الكسب (٢) أي أن الله يخلق الشيء عند مباشرته- أي أن الله يخلق الشبع عند الأكل، ويخلق المعرفة عند الدراسة، وهكذا وليس للعبد إلا الكسب، وبه يصح التكليف والثواب والعقاب، والمدح والذم، والذي نراه في هذه القضية ونختاره هو ما قروه الإسلام فيما يلي: