﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (سورة هود) ..
[ ١٦٨ ]
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة الأعراف)
ونلاحظ هنا أن دعوة شعيب ﵇ لم تقف عند حدود الدعوات الثلاثة السابقة، وهي مجرد الدعوة إلى الله، بل إنها شملت الأمر بعبادة الله، ثم تجاوزته إلى بعض أحكام الشرع، وذلك بمخاطمة الضمير الإنساني ودعوته إلى رعاية حقوق الناس ومعاملاتهم بالعدل
والضمير إنما يأخذ مكانه في كيان الإنسان حين يرشد ويكتمل وعيه أما في مرحلة الطفولة والصبى فلا مكان للضمير فيها
إننا مع قوم شعيب إزاء إنسانية كادت تستكمل حظها من العقل والإدراك، فهم لهذا أهل لكي تخاطب فيهم ضمائرهم وأن يطلب إليهم إقامة حياة إجتماعية يؤدي فيها الفرد حقوق الآخرين لكي يؤدوا له حقه وقد كان القوم معاصرين لقوم لوط ﵇ وهلاك هؤلاء الأمم الذين عصوا رسلهم، فبعضهم هلك بالطوفان، وبعضهم أرسل عليهم الصواعق، وبعضهم بالريح العاصفة المدمرة، وبعضهم بالصيحة ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ وهذا العذاب الأليم الذي أصاب الذين ظلموا أنفسهم لم يذهبوا هباء وإنما خلفوا وراءهم عبرة ماثلة وموعظة بالغة لمن كان من غيرهم- في أيامهم، ولمن أتى من الجماعات من بعدهم. إن طوفان نوح وعواصف هود ورجفة صالح- وقد هلك بها من هلك- قد كانت عبرة وعظة انتفع بها كثير، واهتدى بها كثير، ولا تزال إلى اليوم درسا نافعا وعظة ماثلة لكل من أراد العبرة والموعظة.
ولا نذهب بعيدا، فقد كانت كل زاجرة من تلك الزواجر مثلا يسوقه
[ ١٦٩ ]
الرسول لقومه، ويشرف منه بهم على مصارع الذين عصوا رسل ربهم، وأنكروا مكانهم فيهم
فهذا هود ﵇ يذكر قومه بما حل بقوم نوح فيقول لهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وهذا سيدنا صالح يذكر قومه بما وقع لقوم هود فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾
وهذا نبي الله شعيب ﵇ يحمل المثل لقومه ويستعرض مشاهد الدمار والبلاء التي نزلت بمن سبقوهم في تحدى الرسل وإعناتهم: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (سورة هود). فهذه المهلكات التي رمى بها أولئك الأغبياء المعاندون لم تكن إلا مثلا تخيف من حولهم ومن بعدهم، وتدعوهم إلى الإنصياع والتسليم للهداة الراشدين الذين يدعونهم إلى الصراط المستقيم، وهذا ما تنطق به الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (سورة الاسراء)
وإذا كانت دعوة إبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈ قد استرخى بها الزمن حتى رشدت الإنسانية أو كادت- قد حملت إلى الناس دعوة إلى الله قائمة على النظر في ملكوته، وعلى الإيمان به عن طريق هذا النظر الذي يرسله الإنسان في هذا الوجود فيعود إليه محملا بالآيات الدالة على قدرة الله الناطقة بحكمة الخالق وعظمته