وفي دعوة صالح ﵇ آفاق للنظر والتأمل أوسع من تلك الآفاق المحدودة التي جاءت بها دعوة هود.
وللزمن آثاره في تلك الفوارق العظيمة بين قوم صالح وقوم هود، إذ كان قوم صالح قد خلفوا هودا وخلفوا الأحداث التي وقعت لهم، والبلاء الذي صب عليهم، بعد أن عصوا رسول ربهم، واستخفوا به وبدعوته، ولاشك أن هذا قد ترك آثاره في هؤلاء القوم بما فتح عليهم من أبواب البحث والتفكير ..
قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (سورة هود).
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة الاعراف).
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾
[ ١٦٧ ]
إن صالحا ﵇ يذكر قومه بقدرة الله الذي يدعوهم إليه، أنشأهم من الأرض، واستعمرهم فيها
والعقل الذي يستطيع أن يتصور خلق الإنسان من تراب، ويرتب مراحل عملية الخلق ترتيبا منطقيا واقعيا بحيث يرى أن النطفة التي هي بذرة خلق الإنسان، إنما هي الغذاء الذي يتحول في الجسم إلى دم، ثم إلى نطفة، وأن هذا الغذاء من النبات، وأن النبات هو أجنة الأرض حملته في بطنها، وغذته بعصارتها- العقل الذي يستطيع أن يدرك هذا، أو بعض هذا، هو غير العقل الذي كان عليه قوم هود أو قوم نوح.
ولهذا لم تحمل دعود هود معجزة إستدلالية تنبيء عن قدرة الله، وإنما حملت هلاكا وتدميرا، بعد أن انتهى دور النصح، والوعد، ومن قبلها كانت كذلك دعوة نوح، لم تصحبها معجزة إستدلالية بينما حملت دعوة صالح معجزة استدلالية، ويرى فيها أولوا الرشد إشارة إلى الله، وطريقا إليه، وتلك المعجزة هي الناقة التي اقترحوا على صالح أن يخرجها لهم من صخرة معروفة عندهم وأن تكون عشراء تمخض وأعطوا العهد لصالح أنهم يؤمنون بإلهه الذي يدعوهم إليه إذا جاءهم بما طلبوا به، وقد استجاب الله لدعوة صالح، فخرجت الناقة من الصخرة التي أشاروا إليها، وجنينها يتحرك في أحشائها، وقد آمن بعضهم لهذه المعجزة، ولم يؤمن أكثرهم، وتآمروا على الناقة فقتلوها، وهنا حل بهم العذاب الذي أوعدهم به: ﴿فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾