جاء في شرح الطحاوية: (إذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت، وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنما خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان وقد دلت على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها والصحيح موت النفس هي مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإذا أريد بموتها هذا القدر، فهي دائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى فهي لا تموت وعلى هذا الإعتبار فهي باقية بعد قبضها في نعيم أو عذاب وأجمعت الرسل ﵈ أنها محدثة مخلوقة، وهذا معلوم بالضرورة من الدين أن العالم حادث وأن معاد الأبدان واقع وأن الله وحده هو الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهي القرون المفضلة في الإسلام، على أن الروح مخلوقة من غير خلاف بينهم، حتى ظهر بعض من قصر فهمه عن الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده- الطبراني- الحاكم- عن ابن عباس- حسن-
(٢) أخرجه الحاكم. وذكره ابن حجر في الفتح عن الحاكم والطبراني وجود إسناده وله شاهد من حديث أبي هريرة عن الترميذي والحاكم وفي إسناده ضعيف- وله شواهد أخرى عن أبي سعد يصح بها الحديث.
[ ١٨٦ ]
وأجمع المسلمون على أن الناس يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا، وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق وتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون، ومن خفت موازينهم فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدين) وروى مسلم عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق قدر أعمالهم، منهم من يأخده إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبته، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما قال بعض العلماء: ظاهر الحديث التعميم ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثني - من هذا العرق- الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من الذين عملوا المعاصي دون الكبائر، وماتوا على ذلك، والمسلمون منهم قليلون بالنسبة للكفار.
ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعا مع أن كل واحد لا يجد إلا موضع قدمه فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه؟ إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظم القدرة، وعلى هذا يقتضي الإيمان بأمور الآخرة وأن ليس للعقل فيها مجال.
ولا يعترض بقياس ولا عادة وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه ..