ومدافعة الاقدار على ضربين: أولهما مدافعة أقدار قد أنعقدت أسبابها، ولا تقع بأقدار تدفعها وتحول دون وقوعها، كمدافعة عدو مغير بالإعداد له. ثانيها: مدافعة أقدار قد وقعت بأقدار تدفعها أما القعود عن مدافعة الأقدار مع القدرة عليها فهي من العجز الآثم الذي نهينا عنه والذي كان الرسول - ﷺ - يستعيذ بالله منه، وكان يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل" (١) ولقد صح أنه - ﷺ - قال: "المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" (٢) "إحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو إني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" ومعنى هذا الحديث أن المؤمن القوي الذي يأخذ أموره بقوة وعزم وتبصر، أحب الى الله من المؤمن العاجز المتواكل. أما الخير الذي يشتركان فيه، فهو الإيمان، ولكن المؤمن القوي ممتاز عند الله لأنه نافع لنفسه ووطنه وأمته.
ثم يحض الرسول - ﷺ - على النافع من الأمور مع الإستعانة بالله جل شأنه، والتوجه إليه، والإستعداد من فيض رحمته وفضله، فإن الإنسان لا يستغني عن قوة الله مهما بلغ من القوة والمعرفة، ولا عن توفيقه، وينهى الرسول - ﷺ - عن العجز، وهو القعود عن العمل مع القدرة عليه كسلا وتهاونا، فإذا خرج الأمر من يده أصبح في يد الأقدار التي لا يمكن دفعها فالحرص على ما ينفع هو مدافعة الأقدار بالأقدار، لا ينبغي أن يحول الإيمان بالقدر بيننا وبين إتخاذ الحيطة والنظر في أعقاب الأمور بالحزم والحرص على الخير والعمل على الظفر به، والفرار من الشر، والعمل على النجاة منه وقد علم الله ﷾ ضعف الإنسان أمام قوة الغرائز، أو أثر البيئة، أو الوراثة وعلم سبحانه أنها قد تطغى عليه فتورطه في الإثم أو
_________________
(١) الحديث لأحمد في مسنده ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم- وهو صحيح-
(٢) رواه أحمد في مسنده. ومسلم وابن ماجه- عن أبي هريرة- حسن-
[ ٢٢٤ ]
تعرضه لألوان من الفتون، فاقتضت رحمته أن يمحو بالتوبة النصوح أثر هذا الطغيان، وأمر بالتوبة ليمحو بها قدر المعصية التي دفع إليها قدر الغريزة، أو البيئة أو الوراثة
فمن دفع قدر التوبة قدر المعصية- كما يدفع قدر الدواء قدر المرض- فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن لج في عتوه ونفوره، فعلى نفسه جنى وإياها أوبق، وما ربك بظلام للعبيد ..
قدر الله سبحانه أن الجد سبب الظفر في الدنيا، وأن عمل الصالحات سبب الفوز بالنعيم في الآخرة، فإن قصرنا في العمل حاق بنا سوء تقصيرنا وكنا خلقاء باللوم والتثريب أحرياء بما أعد الله للمقصرين من الخيبة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، لا ينبغي أن يحتج بالقدر إذا قصرنا في عمل كان في وسعنا أن نعمله فلم نعمله، فحاق بنا ما يستوجبه التقصير، لأننا مأمورون أن نأخذ الحذر، وأن نحتاط للأمر ما استطعنا الى ذلك سبيلا
كل امرئ يدرك ادراكا تاما الفرق بين ما يأتيه أو ما يدعه طوعا واختيارا، وما يصيبه وليس له فيه إختيار ومن أنكر ذلك فقد سفه نفسه، وأنكر عقله، إننا نرى أن الإنسان إذا أخفق في الحصول على مطلب عاد باللأئمة على نفسه ثم عاود الطلب بعد إحكام وسائله واتخاذ الأسباب التي يعتقد أنها كفيلة بأن تحقق أمله حتى يظفر بحاجته، وإن راى سبب إخفاقه منافسة خصم اشتد غضبه عليه، وإن اعتدى عليه معتد بالقول أو بالفعل لم يقف أمامه مكتوف اليدين متى كان قادرا على الإنتقام، ومن العجيب أن القدر لا يخطر بباله في كل هذه الأمور، ولا يخطر بباله إلا اذا اقترف سيئة ليحمل الأقدار تبعة ما جنى وجريرة ما اقترف.
ضلت أفهام المسلمين ولاسيما الصوفية، فصاروا جبرية لا يفكرون في جلب خير ولا دفع ضر كأنهم بين أيدي الأقدار كالريشة في مهب الرياح، فإذا وجهت إليهم عتابا أو ملاما أو نصحت لهم بأن يرجعوا الى الإسلام ويعملوا بالأسباب وأن يسلكوا سبل الخير احتجوا بالقدر، وحملوا الأقدار
[ ٢٢٥ ]
تبعة ما جنوا من أوزار ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ وهذا أقبح ما انتهى إليه جهل الجاهل وغفلة الغافل، وحمق الأحمق وغباء الغبي.
إذا أغرى الشيطان الإنسان بالنكر أو زين في قلبه القعود عن صالح العمل، ولوح له بالقدر يتخده تكأة يتكئ عليها، وعذرا يعتذر به، فعليه أن يدفعه بذكر الأمر والنهي، وأن يقول له في حزم وتبصر، إن الشريعة المطهرة ما أنزلها الله إلا ليسلح بها المكلفين ليدافعوا الأقدار، وليعلمهم كيف يدفعونها بأقدار مثلها، فمن شق أمواج الأقدار بسفينة الأمر والنهي وصل الى ساحل النجاة، وسلم من المعاطب ونجا من الأخطار
لولا أن الإنسان يشعر كل الشعور بأنه مختار فيما يأتي وما يدع، ولولا أن الطاعات في وسعه وفي قدرته ما نزلت الشرائع، ولا جاءت الأوامر والنواهي، ولا أرسل الله الرسل، ولا أنزل الكتب، ولا أنذر، ولا بشر ولا رغب، ولا حذر، ولا جعل جنة ونعيما ولا نارا وجحيها، لو كان الإنسان مجبرا على أعماله الإختيارية لبطل الثواب والعقاب، والتأديب والتهذيب، والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة الى الخير والصد عن الشر ..
ومما لاشك فيه أن الإنسان يشعر بأنه تام الإختيار في فعل ما يفعل، وترك ما يترك، وكثيرا ما يتردد بين عملين، فيفكر ويتروى، ويوازن بين نتائجهما حتى إذا تبين له فضل أحدهما على الآخر آثره ومضى فيه.
وقد اتفق المختلفون على أن هذه الأعمال تسمى أعمال الإنسان الإختيارية أي الصادرة عنه بمحض اختياره، ولا يماري في ذلك منهم أحد.
ولو نظرنا الى القرآن الكريم لوجدناه دالا كله على أن للإنسان اختيارا لا يكاد القارئ ينشر المصحف على أية صفحة من صفحاته حتى يجد الآيات تنطق بأن للإنسان عملا أو فعلا أو كسبا، أو سعيا وأنه مسؤول عن عمله
[ ٢٢٦ ]
ويجزى به، والشاهد والحس والبديهة كفيلة ببيان أن للإنسان عملا صادرا عن ذاته
فترى الطفل لأول عهده بالكتابة يحرك يده بالقلم فلا يكاد يقيم حرفا، وكلما ازداد تدريبا جاد خطه ووضحت كتابته، والصانع المبتدئ كثير الأخطاء وكلما مضى في الصناعة قلت أخطاؤه
والمبتدئ في تعلم الخطابة لا يكاد يقيم لسانه، فإذا أشتد إستقام لسانه بعض الشيء، فإذا حذق الفن جاد بيانه وأنطلق لسانه، ونرى من أنفسنا الخطأ والنسيان والضلال، والخضوع لوسوسة الشيطان، واقتراف الفحشاء والمنكر، والبغي والظلم والعدوان وغير ذلك من المعاصي والآثام. ثم التوبة والإستغفار والندم مما لا تصح نسبته الى الله حقيقة ولا مجازا، ولا يجوز عقلا ولا شرعا ولا أدبا، ولا ذوقا أن بنسب إلا الى فاعله المسؤول عنه المحاسب عليه المجزي به ..
قال الله عزوجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (سورة النساء)، هذه الآية أسند الله فيها الى العبد عمل السوء وظلم النفس والإستغفار، وأسند الى نفسه المغفرة والرحمة فأسند الى الله ما أسند الى نفسه، ولنسند الى العبد ما أسند الله إليه وليس علينا في ذلك جناح ولو تدبرنا القرآن كله لوجدناه على هذه الشاكلة: فلم يقولون يخلق العبد أفعال نفسه، ثم يختلفون؟ أما إنهم لو قالوا كما قال الله تعالى: (يفعل أو يعمل أو يكسب أو يقترف ما اختلفوا، وإذا كانوا جميعا متفقين على أن أعمال العباد اختيارية قدرها الله أن تكون لهم فما بالهم يحاولون نسبتها الى الله تعالى.