روى مسلم في " صحيحه " عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم عن النبي صلي الله عليه وسلم
قوله: "باب ما جاء في الكهان ونحوهم " الكاهن هو الذي يأخذ عن مسترق السمع وكانوا قبل المبعث كثيرا، وأما بعد المبعث فإنهم قلوا؛ لأن الله حرس السماء بالشهب، وأكثر ما يقع في هذه الأمة ما يخبر به الجن مواليهم من الإنس عن الأشياء الغائبة مما يقع في الأرض من الأخبار، فيظنه الجاهل كشفا وكرامة، وقد اغتر بذلك كثير من الناس يظنون ذلك المخبر لهم عن الجن وليا لله وهو من أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١ الآية.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٢٨.
[ ١٤٠ ]
قال: " من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما "١.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم " ٢ رواه أبو داود.
قوله: عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم هي حفصة، ذكره أبو مسعود الثقفي؛ لأنه ذكر هذا الحديث في "الأطراف" في مسندها قال البغوي: "العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن والكاهن، هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير". وقال شيخ الإسلام: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم". وقال أيضا: "والمنجم يدخل في اسم العراف". وقال ابن القيم: "من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا وعرافا".
قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين يوما " قال النووي وغيره ما معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزية بسقوط الفرض عنه. ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة انتهى ملخصا.
قوله: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "٣ رواه أبو داود وفي رواية أبي داود: "أو امرأته " قال مسدد: "امرأته حائضا " "أو أتى امرأة ". قال مسدد: " امرأته في دبرها فقد بريء مما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم ".
_________________
(١) ١ مسلم رقم (٢٢٣٠) في السلام: باب تحريم الكهانة عن بعض أزواج النبي ﷺ ولفظه: " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". وجملة " فصدقه بما يقول" ليست عند مسلم، وإنما هي عند أحمد في " المسند "٤ / ٦٨ و٥ / ٣٨٠ عن بعض أزواج النبي ﷺ، ولفظه عند أحمد: " من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما ". ٢ رواه أحمد في " المسند" ٢/ ٤٠٨ و٤٢٩ و٤٧٦، وأبو داود رقم (٣٩٠٤) في الطب: باب في الكاهن، والترمذي رقم (١٣٥) في الطهارة: باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، والدارمي (١١٤١)، وابن ماجه رقم (٦٣٩) في الطهارة: باب النهي عن إتيان الحائض من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو حديث صحيح، انظر الإرواء رقم (٢٠٠٦) . ٣ أبو داود: الطب (٣٩٠٤)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٦٣٩)، وأحمد (٢/٤٠٨،٢/٤٧٦)، والدارمي: الطهارة (١١٣٦) .
[ ١٤١ ]
وللأربعة١، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن " أبي هريرة ﵁": " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم " ٢.
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا ٣.
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعا: " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما
قوله: وللأربعة والحاكم. وقال: صحيح على شرطهما عن " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "هكذا بيض المصنف لاسم الراوي، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا.
قوله: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "قال القرطبي المراد بالمنزل: الكتاب والسنة.
قوله: ولأبي يعلي بسند جيد عن ابن مسعود مثله مرفوعا. أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثني الموصلي الإمام صاحب التصانيف كالمسند وغيره. روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق، وكان من الأئمة الحفاظ مات سنة سبع وثلثمائة، وهذا الأثر رواه البزار أيضا، ولفظه: " من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "وفي هذه الأحاديث التصريح بكفره.
قوله: "ليس منا " دليل على نفي الإيمان الواجب، وهو لا ينافي ما تقدم من أن الطيرة شرك والكهانة كفر.
_________________
(١) ١ الترمذي: الطهارة (١٣٥)، وأبو داود: الطب (٣٩٠٤)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٦٣٩)، وأحمد (٢/٤٠٨،٢/٤٧٦)، والدارمي: الطهارة (١١٣٦) . ٢ رواه أحمد في " المسند" ٢/ ٤٢٩، والحاكم١ / ٨، والبيهقي ٧/ ١٩٨ من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو حديث صحيح كما قال الألباني في " آداب الزفاف" ص (٢٩) . ٣ قال الهيثمي في "المجمع" ٥ / ١١٨: رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " والبزار، ورجال " الكبير " والبزار ثقات.
[ ١٤٢ ]
يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى " إلى آخره ١.
قال البغوي: العراف: "الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن. والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير". وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق". " وقال ابن عباس - في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم-: ما أرى
قوله: "رواه البزار " هو أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق أبو بكر البزار البصري صاحب المسند الكبير، روى عن ابن المثني وخلق. مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
قوله: " قال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق "٢. هذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا وإسناده ضعيف. قوله: "ما أرى " يجوز فتح الهمزة بمعنى لا أعلم، ويجوز ضمها بمعنى لا أظن، وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي يسمى علم الحروف، وهو
_________________
(١) ١ ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٣٣، وقال: رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس - ﵄دون قوله: " ومن أتى " إلخ بإسناد حسن، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥/ ١١٧ من حديث عمران بن حصين - ﵁ -، وقال في آخره: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة"، كما ذكره من حديث ابن عباس ﵄ ٥ / ١١٧ دون قوله: " ومن أتى.. " وهو حديث صحيح بشواهده كما قال الألباني في " صحيح الجامع " رقم (٥٣١١) . ٢ ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥ / ١١٨، وقال: رواه الطبراني، وفيه خالد بن يزيد العمري وهو كذاب، وقال الألباني في " الأحاديث الضعيفة " رقم (٤١٧): موضوع. قوله: " أبا جاد" هو علم الحرف.
[ ١٤٣ ]
من فعل ذلك له عند الله من خلاق ".
فيه مسائل:
الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
الثانية: التصريح بأنه كفر.
الثالثة: ذكر من تكهن له.
الرابعة: ذكر من تطير له..
الخامسة: ذكر من سحر له
السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
[ ١٤٤ ]