وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١
غير تأويل. قال الذهبي في الكبائر: "ويدخل فيه تعلم السيمياء وعلمها، وعقد المرء من زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة". انتهى باختصار.
قوله: "باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء وقول الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ " أي من الوعيد، والمراد نسبة السقي ومجيء المطر إلى الأنواء، جمع نوء وهي منازل القمر. قال أبو السعادات: وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة منزلة منها كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ٢ يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة له مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت من المشرق وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إلى النجم الساقط ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإنما سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط منها الساقط ناء الطالع بالمشرق أي نهض وطلع.
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾
يقول شكركم: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا٣ روي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم
_________________
(١) ١ سورة الواقعة آية: ٨٢. ٢ سورة يس آية: ٣٩. ٣ الترمذي (٣٢٩١) في التفسير: باب ومن سورة الواقعة، وأحمد ١/٨٩ و١٠٨ و١٣١ وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وهو ضعيف. .
[ ١٥٧ ]
عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب،
وهو قول جمهور المفسرين وبه يظهر وجه استدلال المصنف - رحمه الله تعالى - بالآية. وقال ابن القيم: أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به يعني القرآن، قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، قال: وخسر عبد لا يكون حظه من القرآن إلا التكذيب.
قوله: "وعن أبي مالك الأشعري " أبو مالك اسمه الحارث الشامي صحابي تفرد عنه بالرواية أبو سلام وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا.
قوله: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن " ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها أو مع الجهل بذلك مع كونها من أعمال الجاهلية. يدل على أنه يجب على كل مسلم أن يجتنبها، والمراد بالجاهلية هنا ما قبل المبعث، وفاعلها آثم يجب أن ينهى عنها، ومتى وجد الشرك وجدت هذه الأمور المنكرة وغيرها من المنكرات. قال شيخ الإسلام: أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ١ فإن في ذلك ذما للتبرج، وذما لحال أهل الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
قوله: "والفخر بالأحساب " أي التعاظم على الناس بالآباء ومآثرهم وذلك جهل عظيم إذ لا كرم إلا بالتقوى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ ولأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا: " وإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان "٣ الحديث.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٣٣. ٢ سورة الحجرات آية: ١٣. ٣ أبو داود رقم (٥١١٦) في الأدب: باب في التفاخر بالأحساب، ورواه أيضا بنحوه وأخصر منه أحمد في "المسند" ٢/٥٢٤، والترمذي رقم (٢٩٥٠ – ٢٩٥١) في المناقب: باب في فضل الشام واليمن، وهو حديث حسن، كما قال الألباني في "صحيح الجامع" رقم (١٧٨٣) .
[ ١٥٨ ]
والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إن لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " ١ رواه مسلم.
قوله: "والطعن في الأنساب " أي الوقوع فيها بالعيب والنقص، ولما عير أبو ذر رجلا بأمه قال النبي صلي الله عليه وسلم: " أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية " ٢ متفق عليه، فدل على أن الطعن في الأنساب من عمل أهل الجاهلية، وأن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه، قاله شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -.
قوله: " واستسقاء بالنجوم " تقدم معناه، فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا وبنوء كذا فلا يخلو، إما أن يعتقد أن له تأثيرا في نزول المطر، فهذا شرك وكفر لنسبة المطر لغير من أنزله وهو الله وحده، وإما مع إطلاق هذا اللفظ فقد صرح ابن مفلح في "الفروع" بتحريمه، وكذلك صاحب "الإنصاف" ولم يذكرا خلافا.
قوله: والنياحة أي رفع الصوت بالندب على الميت وضرب الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، وهي من الكبائر لشدة الوعيد والعقوبة كما في هذا الحديث.
قوله: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها " فيه تنبيه على أن التوبة تكفر الذنب.
قوله: " تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب "السربال واحد السرابيل وهي الثياب والقمص، هذه سرابيل أهل النار يعني يلطخن بالقطران حتى يكون اشتعال النار بأجسادهن أعظم، ورائحتهن أنتن، وروي عن ابن عباس أن القطران هو النحاس المذاب.
_________________
(١) ١ رقم (٩٣٤) في الجنائز، باب التشديد في النياحة وأحمد في المسند٣٤٢/٥ و٣٤٣ و٣٤٤ من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ ٠. ٢ البخاري رقم (٣٠) في الإيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ورقم (٢٥٤٥) في العتق: باب قول النبي ﷺ: " العبيد إخوانكم فأطعموهم مما تأكلون، ورقم (٦٠٥٠) في الأدب: باب ما ينهى من السباب واللعن، ومسلم رقم (١٦٦١) في الإيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل ، وأبو داود رقم (٥١٥٧) في الأدب: باب في حق المملوك، والترمذي رقم (١٩٤٦) في البر: باب الإجسان إلى الخدم، وأحمد في " المسند " ٥/ ١٦١.
[ ١٥٩ ]
و" لهما " عن زيد بن خالد ﵁ قال: " صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ; فلما انصرف أقبل على الناس فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب " ١.
قوله: وعن زيد بن خالد الجهني صحابي مشهور مات سنة ثمان وستين، وقيل غير ذلك، وله خمس وثمانون سنة. قوله: "صلى لنا " أي بنا، قال الحافظ: "وفيه إطلاق ذلك مجازا". قوله: "بالحديبية " بتخفيف يائها وقد تثقل.
قوله: على إثر بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة على المشهور وهو ما يعقب الشيء.
قوله: "سماء " أي مطر.
قوله: "فلما انصرف من صلاته " أي إلى المأمومين.
قوله: "هل تدرون " لفظ استفهام ومعناه التنبيه، وفي النسائي: "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة "‘ وفيه إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم.
قوله: "قالوا: الله ورسوله أعلم " فيه حسن الأدب للمسئول إذا سئل عما لا يعلم أن يكل العلم إلى عالمه، وذلك يجب.
قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي "؛ لأنه نسب الفعل إلى فاعله الذي لا يقدر عليه غيره.
_________________
(١) ١ البخاري رقم (٨٤٦) في الأذان: باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، ورقم (٠٣٨ ١) في الاستسقاء: باب قول الله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)، ورقم (٤١٤٧) في المغازي: باب غزوة الحديبية، ورقم (٧٥٠٣) في التوحيد: باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، ومسلم رقم (٧١) في الإيمان: باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، وأبو داود رقم (٠٦ ٣٩) في الطب: باب في النجوم، والنسائي ٣/ ١٦٥ في الاستسقاء: باب كراهية الاستمطار بالكوكب، وأحمد في " المسند ٤/١١٧.
[ ١٦٠ ]
و"لهما" من حديث ابن عباس معناه، وفيه قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢ ٣.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الواقعة.
الثانية: ذكر الأربع من أمر الجاهلية.
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها.
الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج عن الملة.
الخامسة: قوله: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر "بسبب نزول النعمة.
السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع.
الثامنة: التفطن لقوله: " لقد صدق نوء كذا وكذا".
التاسعة:: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها، لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ".
قوله: وكافر إذا اعتقد أن للنوء تأثيرا في إنزال المطر، فهذا لأنه شرك في الربوبية والمشرك كافر.
قوله: " فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته "فالفضل والرحمة صفتان لله تعالى.
قوله: "ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ٤ "إلى قوله " "تُكَذِّبُونَ " تقدم معناه قريبا.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة آية: ٧٥. ٢ سورة الواقعة آية: ٨٢. ٣ ليس عند البخاري وإنما هو عند مسلم فقط رقم (٧٣) في الإيمان باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء. ٤ سورة الواقعة آية: ٧٥.
[ ١٦١ ]