وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ١.
أكبر الكبائر فهي كبيرة جدا نسأل الله اجتنابها. وذكر هذه الثلاث لجمعها للشر كله وبعدها عن الخير، وقد وقع فيها الكثير قديما وحديثا، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
قوله: "والقنوط من رحمة الله " قال أبو السعادات: هو أشد اليأس وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء في حال الصحة فسد القلب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ٢. وقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ ٣.
قوله: "باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله " قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من كتابه، وفي الحديث الصحيح: "الصبر ضياء"٤ رواه أحمد
_________________
(١) ١ سورة التغابن آية: ١١. ٢ سورة الملك آية: ١٢. ٣ سورة النور آية: ٣٧. ٤ مسلم رقم (٢٢٣) في الطهارة باب فضل الوضوء، والترمذي رقم (٣٥١٢) في الدعوات باب رقم (٩١)، والنسائي ٥/ ٥ و٦ في الزكاة: باب وجوب الزكاة، وفي " عمل اليوم والليلة" رقم (١٦٨- ١٦٩)، وأحمد في المسند ٥/٣٤٢ و٣٤٤ و٤٤٣، والدارمي رقم (٦٥٩) في الوضوء: باب ما جاء في الطهور، وابن ماجه رقم (٢٨٠) في المقدمة: باب الوضوء شطر الإيمان من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -، ولفظه: " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن- أو تملأ- ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقران حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
[ ١٧٦ ]
قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم.
ومسلم. قال عمر ﵁: " وجدنا خير عيشنا بالصبر "١ رواه البخاري. قال علي:﵁ " إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته فقال: إنه لا إيمان لمن لا صبر له ". واعلم أن الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر على ما نهى عنه، وصبر على ما قدره الله من المصائب، زاد شيخ الإسلام: والصبر عن الأهواء المخالفة للشرع.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٢ " وأول الآية ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣ أي بمشيئته وإرادته كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٤ قوله: "قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم " هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وروي عن ابن مسعود. و"علقمة " هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة النبي صلي الله عليه وسلم، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين. وفي هذا الأثر دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
وفي الآية بيان أن من ثواب الصبر هداية القلب.
_________________
(١) ١ البخاري تعليقا١١/٣٠٣ في الرقاق: باب الصبر عن محارم الله (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) . قال الحافط في الفتح: "وقد وصله أحمد في كتاب " الزهد" بسند صحيح عن مجاهد قال: قال عمر. وأخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق أحمد كذلك، وأخرجه عبد الله بن المبارك في "كتاب الزهد" من وجه آخرعن مجاهد به، وأخرجه الحاكم من رواية مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر". ا؟. ٢ سورة التغابن آية: ١١. ٣ سورة التغابن آية: ١١. ٤ سورة الحديد آية: ٢٢.
[ ١٧٧ ]
وفي " صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت " ١.
و"لهما" عن ابن مسعود مرفوعا: " ليس منا من ضرب الخدود، أو شق
قوله: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت "أي هما بالناس كفر حيث كانتا من أعمال الجاهلية وهما قائمتان بالناس ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله، فأطلق الكفر على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين، لكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا الكفر المطلق، كما أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا الإيمان المطلق، ففرق بين الكفر المعروف باللام كما في قوله: " ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة " ٢ وبين كفر منكر في الإثبات.
قوله: "الطعن في النسب " أي عيبه، ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه٣.
قوله: "والنياحة على الميت " أي رفع الصوت بالندب، وتعداد فضائله لما فيه من السخط على قدر الله المنافي للصبر.
قوله: "من ضرب الخدود " قال الحافظ: خص الخد لكونه الغالب وإلا فضرب بقية الوجه مثله.
_________________
(١) ١ رقم (٦٧) في الإيمان: باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، وأحمد في المسند "٢/٣٧٧ و٤٣١ و٤٤١ و٥٩٦. ٢ مسلم رقم (٨٢) في الإيمان: باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، أبو داود رقم (٤٦٧٨) في السنة: باب فى رد الإرجاء، والترمذي رقم (٢٦٢٢) في الإيمان: باب ما جاء في ترك الصلاة، وأحمد في " المسند " ٣/٣٧٠ و٣٨٩، والدارمي رقم (١٢٣٦) في الصلاة: باب في تارك الصلاة، وابن ماجه (١٠٧٨) في إقامة الصلاة: باب ما جاء فيمن ترك الصلاة من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -، ولفظه عند مسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة "، "ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة". ٣ قال الأستاذ محمد رشيد رضا - رحمه الله تعالى -: "يريد بثبوته عدم وجود دلائل ظاهرة، أو حكم شرعي ينفيه، فلا يجوز الطعن بمستور النسب ومجهوله، بل الناس مأمونون على أنسابهم" اهـ.
[ ١٧٨ ]
الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية "١.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة "٢.
قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية " قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. وقال ابن القيم: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعض على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي عليه، فكل هذا من دعوى الجاهلية، وقد يعفى عن الشيء اليسير من ذلك إذا كان صدقا كما يعفى عن البكاء إذا كان على غير وجه النوح والتسخط. نص عليه أحمد.
قوله: " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا "٣ قال شيخ الإسلام: "المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب وتدعو إلى الصبر فيثاب عليها، وتقتضي الإنابة إلى الله تعالى والذل له والإعراض عن الخلق إلى غير ذلك من المصالح، فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، وهذا من أعظم النعم، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق إلا أن يدخل
_________________
(١) ١ البخاري رقم (١٢٩٤) في الجنائز: باب ليس منا من شق الجيوب، ورقم (١٢٩٧) باب ليس منا من ضرب الخدود، ورقم (١٢٩٨) باب ما ينهى عن الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة، ورقم (٣٥١٩) في المناقب: باب ما ينهى من دعوى الجاهلية، ومسلم رقم (١٠٣) في الإيمان: باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب ٠٠، والترمذي رقم (٩٩٩) في الجنائز: باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود ، والنساثي ٤/ ٢٠ في الجناثز: باب ضرب الخدود، وأحمد في " المسند١/ ٣٨٦ و٤٣٢ و٤٤٢ و٤٥٦ قوله: " أو دعا بدعوى الجاهلية قال القاضي: هي النياحة وندبة الميت والدعاء بالويل وشبهه. والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام. ٢ رواه الترمذي رقم (٢٣٩٨) في الزهد: باب ما جاء في الصبر على البلاء، والحاكم ١/٣٤٠ من حديث أنس بن مالك ﵁، واسناده حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ -، عند أحمد ٤/٨٧، والطبراني في " الكبير"، والحاكم ١/٣٤٩، وأبو نعيم في " الحلية" ٣/٢٥ والبيهقي في " شعب الإيمان"، ومن حديث عمار بن ياسر - ﵁ -، عند الطبراني في "الكبير"، ومن حديث أبي هريرة - ﵁ -، عند ابن عدي، فهو حديث صحيح بشواهده انظر " الأحاديث الصحيحة" رقم (١٢٢٠) . ٣ الترمذي: الزهد (٢٣٩٦)، وابن ماجه: الفتن (٤٠٣١) .
[ ١٧٩ ]
وقال النبي صلي الله عليه وسلم: " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط "حسنه الترمذي ١.
صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من الجزع والنفاق ومرض القلب والكفر الظاهر وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررا في دينه. فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة، كما إن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية. فهي بعينها فعل الرب ﷿ رحمة للخلق، والله ﵎ محمود عليها، فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه وحصل له مع ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات. فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك". ا؟ ملخصا.
قوله: "قال النبي صلي الله عليه وسلم: " إن عظم الجزاء " بكسر العين وفتح الظاء فيهما ويحتمل ضمهما مع سكون الظاء، قال ابن القيم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء إذا صبر واحتسب، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها وهو ظاهر".
قوله: " وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم "وفي الحديث: " سئل النبي صلي الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.. يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه. وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة "٣ رواه الدارمي وابن ماجه والترمذي وصححه.
قوله: " من رضي فله الرضى " أي من الله "ومن سخط فله السخط " كذلك.
_________________
(١) ١ رقم (٢٣٩٨) في الزهد: باب ما جاء في الصبر على البلاء، ورواه أيضا ابن ماجه رقم (٤٠٢١) في الفتن: باب الصبر على البلاء من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، واسناده حسن كما قال الألباني في " الأحاديث الصحيحة" رقم (١٤٦) . ٢ سورة البقرة آية: ١٥٧. ٣ الترمذي رقم (٢٤٠٠) في الزهد: باب ما جاء في الصبر على البلاء، وابن ماجه رقم (٤٠٢٣) في الفتن باب الصبر على البلاء، والدارمي رقم (٢٧٨٦) في الرقاق: باب في أشد الناس بلاء، وابن حبان رقم (٦٩٩) " موارد" والحاكم ١/٤٠ و٤١، وأحمد ١/١٧٢ و١٧٤ و١٨٠ و١٨٥ من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - وهو حديث صحيح كما قال الألباني في "الأحاديث الصحيحة" رقم (١٤٣) .
[ ١٨٠ ]
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله.
الثالثة: الطعن في النسب.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
السادسة: إرادة الله به الشر.
السابعة: علامة حب الله للعبد.
الثامنة: تحريم السخط.
التاسعة: ثواب الرضى بالبلاء.
[ ١٨١ ]