وقول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
باب الخوف من الشرك
وقول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ قال النووي رحمه الله تعالى: أما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٤٨.
[ ٣١ ]
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١.
فيها. ولا فرق بين الكتابي اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة. ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا وغيره. ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مصرا عليها ومات على ذلك فهو تحت المشيئة فإن عفي عنه دخل الجنة أولا وإلا عذب في النار ثم أخرج منها وأدخل الجنة.. انتهى.
"قلت ":هذا قول أهل السنة والجماعة لا اختلاف بينهم في ذلك، وهذه الآية من أعظم ما يوجب الخوف من الشرك لأن الله تعالى قطع المغفرة عن المشرك، وأوجب له الخلود في النار وأطلق ولم يقيد، ثم قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ فخصص وقيد فيما دون الشرك، فهذا الذنب الذي هذا شأنه لا يأمن أن يقع فيه، فلا يرجى له معه نجاة إن لم يتب منه قبل الوفاة.
قوله: "وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٣ أي إبراهيم ﵇ خليل الرحمن. والخلة أخص من المحبة، ولهذا اختص بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلي الله عليه وسلم ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٤ وهذا أيضا يخيف العبد، فإذا كان الخليل إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة واحدة وابتلاه بكلمات فأتمهن وقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٥ وأمر بذبح ولده فامتثل أمر ربه. وكسر الأصنام واشتد نكيره على أهل الشرك. ومع ذلك يخاف أن يقع في الشرك الذي هو عبادة الأصنام لعلمه أنه لا يصرفه عنه إلا الله بهدايته وتوفيقه لا بحوله هو وقوته وما أحسن ما قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فهذا أمر لا يؤمن الوقوع فيه وقد وقع فيه الأذكياء من هذه الأمة بعد القرون المفضلة فاتخذت الأوثان وعبدت. فالذي خافه الخليل - ﵇ - على نفسه وبنيه وقع فيه أكثر الأمة بعد القرون المفضلة، فبنت المساجد والمشاهد على القبور، وصرفت لها العبادات بأنواعها، واتخذ ذلك دينا وهي أوثان وأصنام كأصنام قوم نوح واللات والعزى ومناة وأصنام العرب وغيرهم. فما أشبه ما وقع في آخر هذه الأمة بحال أهل الجاهلية من مشركي العرب وغيرهم. بل وقع ما هو أعظم من الشرك في الربوبية مما يطول عده. فذكر - ﵇ - السبب الذي أوجب له الخوف عليه وعلى ذريته بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ٦ وقد ضلت الأمم بعبادة الأصنام في زمن الخليل وقبله وبعده، فمن تدبر القرآن
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية: ٣٥. ٢ سورة النساء آية: ٤٨. ٣ سورة إبراهيم آية: ٣٥. ٤ سورة إبراهيم آية: ٣٥. ٥ سورة النجم آية: ٣٧. ٦ سورة إبراهيم آية: ٣٦.
[ ٣٢ ]
وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: " الرياء " ١.
عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه، والوعيد على فعله، والثواب على تركه، وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه، نسأل الله الثبات على الإسلام والاستقامة على ذلك إلى أن نلقى الله على التوحيد، إنه ولي ذلك والقادر عليه "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ رد أمرهم إلى الله كما رد ﵇. وقد بين الله تعالى فيما أنزله على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم حكمه في أهل الشرك بأنه لا يغفره لهم فلا معارضة، وقد بين حكمه فيهم في هذا الكتاب العزيز ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣.
وقوله: "وفي الحديث " لأصحابه صلي الله عليه وسلم " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء " ٤.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد، فإذا كان يخافه صلي الله عليه وسلم على أصحابه الذين وحدوا الله بالعبادة، ورغبوا إليه وإلى ما أمرهم به من طاعته، فهاجروا وجاهدوا من كفر به، وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم، وما أنزله الله في كتابه من الإخلاص والبراءة من الشرك، فكيف لا يخاف من لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل مما هو أكبر من ذلك! وقد أخبر صلي الله عليه وسلم عن أمته بوقوع الشرك الأكبر فيهم بقوله في حديث ثوبان الآتي ذكره: " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " ٥، وقد جرى ما أخبر به صلي الله عليه وسلم وعمت به البلوى في أكثر الأقطار حتى اتخذوه دينا مع ظهور الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتخويف منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٦. وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٧ وهذا هو
_________________
(١) ١ رواه أحمد في " المسند " ٥/ ٤٢٨ و٤٢٩ من حديث محمود بن لبيد ﵁، والبغوي في " شرح السنة "، والطبراني في " الكبير" وهو حديث صحيح. انظر: "الأحاديث الصحيحة" رقم (٩٥١) . ٢ سورة المائدة آية: ١١٨. ٣ سورة فصلت آية: ٤٢. ٤ أحمد (٥/٤٢٨) . ٥ الترمذي: الفتن (٢٢١٩)، وأبو داود: الفتن والملاحم (٤٢٥٢)، وابن ماجه: الفتن (٣٩٥٢)، وأحمد (٥/٢٧٨) . ٦ سورة المائدة آية: ٧٢. ٧ سورة آية: ٣٠-٣١.
[ ٣٣ ]
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " ١ رواه البخاري ".
ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من لقي الله لا
تحقيق التوحيد، كما تقدم في الباب قبله. ثم قال تعالى محذرا عباده من الشرك ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢ ومن لم تخوفه هذه الآيات وتزجره عن الشرك في العبادة إذا تدبرها فلا حيلة فيه.
قوله: "وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " رواه البخاري ".
وهذا الحديث فيه التحذير من الشرك أيضا، والتخويف منه، والند المثل والشبيه، فمن دعا ميتا أو غائبا وأقبل إليه بوجهه وقلبه رغبة إليه ورهبة منه سواء سأله أم لم يسأله، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله. ولهذا حرم الله تعالى اتخاذ الشفعاء، وأنكره على من فعل ذلك أشد الإنكار، لكونه ينافي الإخلاص الذي هو إقبال القلب والوجه على الله في كل ما يخافه العبد ويرجوه ويتقرب به ويدين به، ومن المعلوم أنه إذا التفت للشفيع يسأله، فقد أعرض بوجهه وقلبه عن الله تعالى، وذلك ينافي الإخلاص، ويأتي بيان ذلك في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى.
قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئا "، هذا هو الإخلاص كما تقدم. وقوله: "ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ". هذا هو الشرك فمن لقي الله بالشرك دخل النار قل أو كثر. أما الشرك الأكبر فلا عمل معه ويوجب الخلود في النار، كما تقدم في معنى الآيات. وأما الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقوله: ما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك. فهذا لا يكفر إلا برجحان السيئات بالحسنات. قال بعض العلماء: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك. فالمراد من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي اهـ.
_________________
(١) ١ البخاري رقم (١٢٣٨) في الجنائز: باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، ورقم (٤٤٩٧) في تفسير سورة البقرة: باب قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله)، ورقم (٦٦٨٣) في الأيمان والنذور: باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم فصلى أو قرأ أو سبح أو كبر أو حمد أو هلل فهو على نيته، وأحمد في "المسند" ١/٤٦٢ و٤٦٤. ٢ سورة الحج آية: ٣١.
[ ٣٤ ]
يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " ١.
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ٢.
العاشرة: فيه تفسير " لا إله إلا الله"، كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
_________________
(١) ١ مسلم رقم (٩٣) في الإيمان: باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات مشركا دخل النار، وأحمد في " المسند " ٣/ ٣٤٥. ٢ سورة إبراهيم آية: ٣٦.
[ ٣٥ ]