وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ١ الآية.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
من عطف الدال على المدلول؛ لأن التوحيد هو معنى هذه الكلمة العظيمة، وذلك يتبين بما ساقه من الآيات والحديث لما فيها من زيادة البيان وكشف ما أشكل من ذلك، وإقامة الحجة على من غالط في معنى "لا إله إلا الله " من أهل الجهل والإلحاد.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢ أي أولئك الذين يدعوهم أهل الشرك ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله من الملائكة والأنبياء والصالحين كالمسيح وأمه والعزير، فهؤلاء دينهم التوحيد وهو بخلاف من دعاهم من دون الله، ووصفهم بقوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٣ فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له وطاعته فيما أمر، وترك ما نهاهم عنه. وأعظم القرب التوحيد
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٥٧. ٢ سورة الإسراء آية: ٥٧. ٣ سورة الإسراء آية: ٥٧.
[ ٤٤ ]
الذي بعث الله به أنبياءه ورسله وأوجب عليهم العمل به والدعوة إليه، وهذا الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١ فلا يرجون أحدا سواه ولا يخافون غيره، وذلك هو توحيده؛ لأن ذلك يمنعهم من الشرك ويوجب لهم الطمع في رحمة الله والهرب من عقابه، والداعي لهم والحالة هذه قد عكس الأمر وطلب منهم ما كانوا ينكرون من الشرك بالله في دعائهم لمن كانوا يدعونه من دون الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣ وفيه الرد على من ادعى أن شرك المشركين إنما هو بعبادة الأصنام، وتبين بهذه الآية أن الله تعالى أنكر على من دعا معه غيره من الأنبياء والصالحين والملائكة ومن دونهم، وأن دعاء الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وأن ذلك ينافي ما دلت عليه كلمة الإخلاص، فتدبر هذه الآية العظيمة يتبين لك التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد، فإنها نزلت فيمن يعبد الملائكة والمسيح وأمه والعزير فهم المعنيون بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٤، ثم بين تعالى أن هؤلاء المشركين قد خالفوا من كانوا يدعونه في دينه فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٥، وقدم المعمول لأنه يفيد الحصر، يعني يبتغون إلى ربهم الوسيلة لا إلى غيره، وأعظم الوسائل إلى الله تعالى التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله وخلق الخلق لأجله.
ومن التوسل إليه التوسل بأسمائه وصفاته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٦ وكما ورد في الأذكار المأثورة من التوسل بها في الدعوات كقوله: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " ٧. وقوله: " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ٨وغير ذلك من الأعمال الصالحة الخالصة التي لم يشبها شرك، فالتوسل إلى الله هو بما يحبه ويرضاه لا بما يكرهه ويأباه من الشرك الذي نزه نفسه عنه بقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٩، وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١٠، وقوله في الإنكار على من اتخذ
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٥٧. ٢ سورة فاطر آية: ١٤. ٣ سورة الأحقاف آية: ٦. ٤ سورة الإسراء آية: ٥٦. ٥ سورة الإسراء آية: ٥٧. ٦ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٧ أبو داود رقم (١٤٩٥) في الصلاة: باب الدعاء، والترمذي رقم (٣٥٣٨) في الدعوات: باب رقم ١٠٩، والنسائي ٣ / ٥٢ في السهو: باب الدعاء بعد الذكر، وأحمد ٣/ ١٢٠، وابن ماجه رقم (٣٨٥٨)، من حديث أنس ﵁، وصححه ابن حبان رقم (٢٣٨٢) " موارد "، والحاكم ١ / ٥٠٣ و٥٠٤ ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ٨ أبو داود رقم (١٤٩٢) في الصلاة: باب الدعاء، والترمذي رقم (٢٤٧١) في الدعوات: باب ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله ﷺ، وابن ماجه رقم (٣٨٥٧)، وأحمد في "المسند " ٥/ ٣٦٠ وهو حديث صحيح، وصححه ابن حبان رقم (٢٣٨٣) والحاكم ١/ ٥٠٤ ووافقه الذهبي، من حديث بريدة ﵁، ولفظه أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: "اللهم إني أسألك " الحديث. ٩ سورة الطور آية: ٤٣. ١٠ سورة يوسف آية: ١٠٨.
[ ٤٥ ]
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ١ الآية.
الشفعاء: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير، يأمر عباده بإخلاص العبادة له، وينهاهم عن عبادة ما سواه ويعظم عقوبته كما جرى على الأمم المكذبة للرسل فيما جاءوهم به من التوحيد والنهي عن الشرك، فأوقع الله تعالى بهم ما أوقع كقوم نوح وعاد وثمود ونحوهم؛ فإنهم عصوا الرسل فيما أمروهم به من التوحيد وتمسكوا بالشرك وقالوا لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ٣، وقالوا لهود: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ الآيات. وقالوا لصالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٥، وقالوا لشعيب: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦. فتدبر ما قص الله تعالى في كتابه مما دعت إليه الرسل وما أوقع بمن عصاهم؛ فإن الله تعالى أقام به الحجة على كل مشرك إلى يوم القيامة، وأما ما ورد في معنى الآية عن ابن مسعود قال: " كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. "
"قلت ": وهذا لا يخالف ما تقدم؛ لأن هذه الآية حجة على كل من دعا مع الله وليا من الأولين والآخرين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في هذه الآية، وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابدا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ٧ الآيات. الكلمة هي لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم، وقد عبر عنها الخليل ﵇ بمعناها الذي أريد به فعبر عن المنفي بها بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٨، وعبر عما أثبتته بقوله: ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٩ فقصر العبادة على الله وحده ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك، فما أحسن التفسير لهذه الكلمة وما أعظمه. قال العماد ابن كثير في قوله
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧. ٢ سورة يونس آية: ١٨. ٣ سورة هود آية: ٢٧. ٤ سورة هود آية: ٥٣. ٥ سورة هود آية: ٦٢. ٦ سورة هود آية: ٨٧. ٧ سورة آية: ٢٦-٢٧. ٨ سورة الزخرف آية: ٢٦. ٩ سورة الزخرف آية: ٢٧.
[ ٤٦ ]
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية.
تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٢ أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله جعلهما في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم ﵇ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها. قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٣: يعني لا إله إلا الله لا يزال في ذريته من يقولها.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤ الآية. الأحبار: هم العلماء. والرهبان: هم العباد. وهذه الآية قد فسرها رسول الله صلي الله عليه وسلم لعدي بن حاتم، وذلك أنه لما جاء مسلما دخل على رسول الله صلي الله عليه وسلم فقرأ عليه هذه الآية. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم قال: " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم " ٥ رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق٦. قال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧، فصار ذلك عبادة لهم وصاروا به لهم أربابا من دون الله وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٨.
قوله: "وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ" أي اتخذوه ربا بعبادتهم له من دون الله، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ٩ إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٣١. ٢ سورة الزخرف آية: ٢٨. ٣ سورة الزخرف آية: ٢٨. ٤ سورة التوبة آية: ٣١. ٥ الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٩٥) . ٦ رواه الترمذي رقم (٣٠٩٤) في التفسير: باب تفسير سورة التوبة، وابن جرير الطبري ١٤/ ٢١٠ رقم (٦١٦٣٢) و(٦١٦٣٣) من طرق عن عدي بن حاتم ﵁ أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: "بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم "، وهو حديث حسن بشواهده، ذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٢٣٠، وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في " سننه "، وهكذا (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله)، أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وانظر الطبري رقم (١٦٦٣٤) عن حذيفة ﵁. ٧ سورة التوبة آية: ٣١. ٨ سورة آل عمران آية: ٨٠. ٩ سورة المائدة آية: ١١٦.
[ ٤٧ ]
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١ الآية.
شَهِيدٌ﴾ ٢. فمن تدبر هذه الآيات تبين له معنى لا إله إلا الله، وتبين له التوحيد الذي جحده أكثر من يدعي العلم في هذه القرون وما قبلها من متأخري هذه الأمة، وقد عمت البلوى بالجهل به بعد القرون الثلاثة لما وقع الغلو في قبور أهل البيت وغيرهم، وبنيت عليها المساجد، وبنيت لهم المشاهد، فاتسع الأمر وعظمت الفتنة في الشرك المنافي للتوحيد لما حدث الغلو في الأموات وتعظيمهم بالعبادة، فبهذه الأمور التي وقع فيها الأكثر عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وقد قال صلي الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس " ٣ وفي رواية "يصلحون ما أفسد الناس ".
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٤ الآية. الأنداد: الأمثال والنظراء كما قال العماد بن كثير وغيره من المفسرين. فكل من صرف من العبادة شيئا لغير الله رغبة إليه أو رهبة منه فقد اتخذه ندا لله؛ لأنه أشرك مع الله فيما لا يستحقه غيره. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى -: فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه أي مع الله بعبادته له، وتوحيد الحب لا يبقي في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب وإن سمي عشقا فهو في غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينة، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن لا تكون محبته لغير الله فلا يحب إلا الله كما في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه" الحديث٥.
ومحبة رسوله هي من محبته، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه، وهو
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ١١٧. ٢ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٣ أخرجه أبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن " (١/ ٢٥)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، ومن طريق آخر أخرجه الآجري في "الغرباء" (١/٢)، والترمذي (٢٦٣٠) وله شاهدان من حديث سعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ﵄، وهو حديث صحيح. انظر " الأحاديث الصحيحة " رقم (١٢٧٣) . ٤ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٥ رواه البخاري رقم (١٦) في الإيمان: باب حلاوة الإيمان ورقم (٢١) في الإيمان: باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار ورقم (٦٠٤١) في الأدب: باب الحب في الله، ورقم (٦٩٤١) في الإكراه: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ومسلم رقم (٤٣) في الإيمان: باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، والترمذي رقم (٢٩٢٦) في الإيمان: باب رقم (١٠)، والنسائي ٨ / ٩٦ في الإيمان باب حلاوة الإبمان، وابن ماجه رقم (٤٠٣٣) في الفتن: باب الصبر على البلاء، وأحمد في " المسند " ٣ / ١٠٣ و١٧٢ و١٧٤ و٢٠٧ و٢٣٠ و٢٤٨ و٢٧٥ و٢٧٨ و٢٨٨ من حديث أنس ﵁. قوله: "وجد بهن حلاوة الإيمان "قال العلماء: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله ﷿ ورسوله ﷺ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربه ﷾، بفعل طاعاته وترك مخالقته، وكذلك محبة رسول الله ﷺ.
[ ٤٨ ]
وفي " الصحيح " عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿ " ١.
الكفر، بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان أحب إليه من نفسه، وهذه المحبة هي فوق ما يجده العشاق من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به، وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة الانقياد ظاهرا وباطنا، وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان، ولهذا من شرك بين الله وبين غيره في المحبة الخاصة كان شركا لا يغفره الله.
قال تعالى: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٢ الآية. والصحيح أن معنى الآية أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم كما تقدم أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته. انتهى.
قوله "في الصحيح " أي صحيح مسلم: "عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم " فذكره، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق كوفي ثقة مات في حدود الأربعين.
قوله: " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ". اعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم علق عصمة المال والدم بأمرين في هذا الحديث: "الأول " قول لا إله إلا الله عن علم ويقين، كما هو قيد في قولها في غير ما حديث. "والثاني " الكفر بما يعبد من دون الله، لكن ذكر في هذا الحديث "وكفر " تأكيدا لما دلت عليه، لأن المقام عظيم يقتضي التأكيد.
_________________
(١) ١ رواه مسلم رقم (٢٣) في الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحمد في (المسند) ٣/ ٤٧٢ من حديث طارق بن أشيم الأشجعي والد أبي مالك ﵄. ٢ سورة البقرة آية: ١٦٥.
[ ٤٩ ]
وشرح هذه الترجمة، ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
منها آية الإسراء بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
قوله: "حرم ماله ودمة وحسابه على الله ﷿ "، فيه دليل على أنه لا يحرم ماله ودمه إلا إذا قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فإن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله، فدمه وماله حلال لكونه لم ينكر الشرك ويكفر به، ولم ينفه كما نفته لا إله إلا الله، فتأمل هذا الموضع فإنه عظيم النفع.
قال شيخنا: "وهذا من أعظم ما بين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك. بل ولا كونه لا يدعو الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع". انتهى.
قوله: " وحسابه على الله ﷿ "، أي الله تعالى هو الذي يتولى حسابه، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر.
قوله: "وشرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب "، فقد ذكر فيها - رحمه الله تعالى - ما يبين التوحيد وما ينافيه، وما يقرب منه، وما يوصل إليه من الوسائل، وبيان ما كان عليه السلف من بعدهم عن الشرك في العبادة، وشدة إنكارهم له وجهادهم على ذلك، وقد جمع هذا الكتاب على اختصاره من بيان التوحيد ما لا يعذر عن معرفته وطلبه بإقبال وتدبر، وكذلك الرد على أهل الأهواء جميعهم، فمن حفظه واستحضره وجد ذلك واستغنى به عن غيره في الرد على كل مبتدع فتدبره تجد ذلك بينا، وسيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله تعالى -.
[ ٥٠ ]
ومنها آية براءة، بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
ومنها قول الخليل – ﵇ - للكفار: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ١ فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٣ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند حبا أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!
ومنها قوله صلي الله عليه وسلم: " من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله "، وهذا من أعظم ما يبين معنى " لا إله إلا الله"؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧. ٢ سورة الزخرف آية: ٢٨. ٣ سورة البقرة آية: ١٦٧.
[ ٥١ ]