ولنذكر من كلام الأئمة الذين هم القدوة وبهم الأسوة الذين هم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله١: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحدًا بذنب، ولا تنف٢ أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصبك، ولا
_________________
(١) ١كما في مجموع الفتاوى -الرسالة الحموية- ٥/٤٦. ٢في الأصل: "تنفي".
[ ١٤ ]
تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا توال١ أحدًا دون أحد. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل – وفي لفظ – سألت أبا حنيفة عمن يقول: أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر. قال لأنه الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات. قال فإنه يقول على العرش استوى لكن لا يدري العرش في الأرض أم في السماء. قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا اعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون النافي الجاحد الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال وعرشه فوق سبع سماوات.
وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
_________________
(١) ١ في الأصل: "توالي".
[ ١٥ ]
اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أن الله فوق السماوات فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السماء لأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل.
وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر، وروى هذا اللفظ بالإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق.
قال١ وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام، سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون٢ أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
وروى ابن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن سعيد بن عامر الضبعي – إمام أهل البصرة علمًا ودينًا من شيوخ
_________________
(١) ١ أي شيخ الإسلام في الرسالة المذكورة –الحموية- ص ٥٢/٥. ٢ في الأصل "يجادلون" وما أثبته من الحموية.
[ ١٦ ]
الإمام أحمد – أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على شيء.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.
وروى ابن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي – إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد – قال: كلمت بِشرًا المريسي وأصحاب بِشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء.
وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أن قال: ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا
[ ١٧ ]
ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين. فقال رجل عندها: الله على عرشه؟ فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة.
وعن عاصم بن علي بن عاصم شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما قال: ناظرت جهميًا فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء ربًا. انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضًا في أُثناء كلام له: والبدعة التي يُعَدَّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول البدعة اثنتان وسبعون فرقة هي أربع: الخوارج والروافض والمرجئة والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية، قال: ليس من أمة محمد ﷺ.
والجهمية نفات للصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة، وإن محمدًا لم يعرج به إلى الله، وإن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم.
وقد قال عبد الرحمن بن مهدي هما صنفان، فأحدهما:
[ ١٨ ]
الجهمية والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الإتحادية فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية، والرافضة في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد انتهى كلامه ﵀.
فهذا كلام شيخ الإسلام الصحيح الصريح في تكفير الجهمية وإخراجهم من أمة محمد ﷺ، بخلاف ما ينقله هؤلاء المشبهون الملبسون فإنهم إنما نقلوا كلامه في عموم أهل الأهواء والبدع، لا في خصوص الجهمية، وأوهموا أنه لا يكفر الجهمية فالله المستعان.
وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد قال حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت أبي يقول: سمعت معاذ بن معاذ يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
حدثني الحسن بن عيسى مولى بن١ المبارك عن حماد بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية كفار والقدرية كفار.
_________________
(١) ١ في الأصل "حدثني الحسن بن عيسى وابن المبارك" والصواب ما أثبته من السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/١٠٣.
[ ١٩ ]
حدثني الحسن بن عيسى قال كان ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.
قال الحسن بن١ عيسى من قول نفسه: ومن يشك في كفر الجهمية؟ انتهى.
وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في جواب سؤال ورد عليه من ساحل عمان قال فيه: ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين، وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى أنه ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يصلي خلف الجهمية.
وجواب هذا لو سلم من أوضح الواضحات عند طلبة العلم، وأهل الأثر، وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعد اللالكائي رحمه الله تعالى منهم عددًا يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام أحمد٢ في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة.
_________________
(١) ١ في الأصل "قال الحسن وابن عيسى" وما أثبته من السنة لعبد الله ١/١٠٩. ٢ في الأصل "ابن الإمام عبد الله بن أحمد".
[ ٢٠ ]
وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم ﵀ في كافيته عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم.
والصلاة١ خلفهم لا سيما الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة١ خلف غيرهم.
والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة١ خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس.
وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما
عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد، كيف لا وَقَولُهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات٢، وشهدت به العقول السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والألوهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدمًا لا حقيقة لوجوده،
_________________
(١) ١ في الأصل "الصلواة". ٢ في الأصل "الثبوات".
[ ٢١ ]
ويعتمدون من الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.
ولبشر المريسي١ وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادًا من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام٢ أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها.
وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها، وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم. انتهى.
_________________
(١) ١ في الأصل "وبشر المريسي". ٢ في الأصل "إمام".
[ ٢٢ ]