قال الإمام البخاري: باب حديث الخضر مع موسى سدد خطاكم:
١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﵌ - يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى الله - ﷿ - إِلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَه﴾ ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ الله - ﷿ - فِي كِتَابِهِ»
٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ
[ ١٥٥ ]
مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ»، فَقَالَ: «كَذَبَ عَدُوُّ الله، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: «أَنَا»، فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: «بَلَى لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ»، قَالَ: «أَيْ رَبِّ وَمَنْ لِي بِهِ» وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ «أَيْ رَبِّ وَكَيْفَ لِي بِهِ»،قَالَ: «تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ حَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ» وَرُبَّمَا قَالَ «فَهُوَ ثَمَّهْ» وَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ فَأَمْسَكَ اللهُ عَنْ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ فَقَالَ هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ قَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلَهُمَا عَجَبًا قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ مُوسَى فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: «وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ» قَالَ: «أَنَا مُوسَى»، قَالَ: «مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟»، قَالَ: «نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا»، قَالَ: «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ»، قَالَ: «هَلْ أَتَّبِعُكَ؟» قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا إِلَى قَوْلِهِ إِمْرًا»، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: «يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْبَحْرِ»، إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلَّا وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «مَا صَنَعْتَ
[ ١٥٦ ]
قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا»، قَالَ: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا»،قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا» فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا؟»، قَالَ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟»، قَالَ: «إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا»، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلًا أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلًا إِلَّا مَرَّةً، قَالَ: «قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا»، قَالَ: «هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا».
٣ - حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ»
فقه القصة كما وردت في الكتاب والسنة: من هذا العرض الكامل لنصوص القصة في القرآن وفي صحيح البخاري نستخلص الفوائد التالية:
١ - أن الله ﷾ أراد أن يعلم نبيه موسى - ﵇ - الذي قال جوابًا عن سؤال (لا أعلم على الأرض أعلم مني)!! أنه كان يجب أن يرد علم ذلك إلى الله - ﷾ -، فأراه الله - ﷿ - أن هناك عبدًا لا يعلمه موسى هو على علم من علم الله لا يعلمه موسى وكان من أجل ذلك هذا اللقاء بين موسى والخضرسدد خطاكم.
٢ - أن الخضر - بعد أن تم لقاؤه بموسى سدد خطاكم - أخبره أن علم الخضر وعلم موسى بجوار علم الله سبحانه لا شيء، وأنهما لم ينقصا من علم الله إلا كما شرب العصفور من ماء البحر.
[ ١٥٧ ]
٣ - أن الشريعة التي كان عليها الخضر لم تكن في حقيقتها مخالفة للشريعة التي عليها موسى، وإنما كان يخفى على موسى فقط الخلفية التي من أجلها فعل الخضر ما فعله، ولذلك فإن الخضر - عندما بين لموسى الأسباب التي دفعته إلى خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار - لم يستنكر موسى شيئًا من ذلك لأن هذا كله سائغ في الشريعة:
أ- فإتلاف بعض المال لاستنقاذ بعضه جائز فلو وكلت مثلًا رجلًا على عمل لك ثم جاء لصوص أو ظلمه قطاع طريق ليستولوا على المال كله، ولم يجد هذا الوكيل وسيلة لدفعهم إلا بأن يدفع لهم بعض المال ويتركوا بعضه لما كان ملومًا شرعًا، ولا يُلام ممن وكله بل يستحسن فعله، وما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة لا يعدو ذلك فهو إنما أفسد السفينة فسادًا جزئيًا لتظهر لأعوان ذلك الملك الظالم أنها غير صالحة فيتركوها وبذلك تسلم من الغصب، ولا شك أن ما فعله الخضر في حقيقته إحسان لأصحاب السفينة؛ لأن الله أطلعه على شيء من المستقبل في أن ذلك الملك الظالم سيصادر السفن لأمر ما، كما هو حال كثير من الرؤساء والملوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحيانًا إما لمصالحهم أو لمصلحة عامة.
فما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة موافق للشرع الإلهي تمامًا وليس مخالفًا للتشريع، وإنكار موسى في أول الأمر ناشئ من أنه لم يعرف الخلفية الغيبية التي كان الله قد أطلع عليها الخضر بوحي من عنده.
ب- وأما قتل الغلام فهوكذلك سائغ في الشريعة إذا كان هذا الغلام سيكون ظالمًا لوالديه، مجبِرًا لهما على الكفر وكان هذا مما علمه الله مستقبلًا، وأطلع عليه الخضر، فكان قتله أيضًا سائغًا، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل المعتدي. حقًا إن الشريعة لا تأمر بقتل الصائل إلا إذا باشر العدوان، والطفل هنا لم يباشر العدوان بعد، ولكن القتل هنا بأمر الله - ﷾ - الذي يعلم ما سيكون، وقد كان هذا منه - ﷾ - رحمة بعبدين من عباده صالحين أراد الله - ﷿ - أن لا يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتألما ألمين:
الألم الأول: أنه ولدهما وعقوق الأولاد شديد على قلوب الآباء.
والثاني: أنهما قد يبلغان الكفر ويتعبان في التمسك بالإيمان وهذا عذاب آخر، فجمع الله ﷾ لهما عذابًا واحدًا فقط وهو فقد الولد، وفيه خير لهما ولا شك لأن صبرهما، أيضًا على فقده فيه خير لهما. فلما علم الله ذلك، وأطلع الخضر عليه، ونفذ هذا بأمر الله كان ذلك كله موافقًا للشريعة التي عليها موسى وعليها محمد - ﵌ - وعليها سائر الأنبياء.
ولذلك لما قيل لابن عباس - ﵁ - على هذه الحادثة: أيجوز أن نقتل الأولاد؟ قال: «إذا علمت منهم ما علم الخضر فافعل». أي إن ذلك سائغ في الشريعة ولكن أين من يطلعه الله على الغيب كما أطلع الخضر - ﵇ -.
جـ - وأما مسألة بناء جدار لقوم بخلاء لم يبذلوا القِرَى (بكسر القاف) والضيافة الواجبة، فإن ذلك من باب مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا خلق من أخلاق الشريعة الإسلامية وما فعله الخضر هو من باب الإحسان إلى قوم قدموا الإساءة.
ثم إن إحسانه لهذين الغلامين لم يتأت منهما إساءة وكان أبوهما رجلًا صالحًا وهم في قرية ظالمة بخيلة، ولو هدم جدار بيتهم لانكشف كنزهم ولاستولى عليه هؤلاء القوم البخلاء، فلا شك أن ما فعله الخضر من بناء الجدار هو عين ما تأمر به كل شرائع الأنبياء التي أمرت بالفضل والإحسان، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم.
* فأي شيء يستغرب مما فعله الخضر؟ وأي حقيقة اطلع عليها الخضر تخالف ظاهر شريعة كان عليها موسى؟ بل ما فعله الخضر موافق تمامًا لشريعة موسى ولشريعة عيسى ولشريعة محمد ولكل شرائع الله المنزلة، ولم يقل الخضر أو يفعل شيئًا يخالف ما كان عليه الأنبياء - ﵈ -، وإنما فقط أطلعه الله على بعض أسرار المقادير ففعل ما فعل من الحق الذي لا تنكره الشرائع بناء على هذه الأخبار والأنباء التي أطلعه الله عليها. وباختصار لم يفعل الخضر شيئًا مخالفًا لشريعة موسى فافهم هذا جيدًا وتمسك به.
٤ - وجود الخضر - ﵇ - على دين وشريعة غير شريعة موسى كان أمرًا سائغًا وسنة من سنن الله قبل بعثة محمد - ﵌ -؛ لأن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولذلك كان موسى رسولًا إلى بني إسرائيل فقط، ولم يكن رسولًا للعالمين، ولذلك لما سلم موسى على
[ ١٥٨ ]
الخضر سدد خطاكم قال الخضر: وأنّى بأرضك السلام. قال له موسى: أنا موسى. قال الخضر: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم». أي أنت مبعوث إلى بني إسرائيل ومنهم، ولذلك لم تكن شريعة موسى لازمة للخضر ولجميع الناس في زمانه، وأما بعد بعثة محمد - ﵌ - فإنه لا يجوز شرعًا أن يكون هناك من هو خارج عن شريعته؛ لأن الرسول - ﵌ - رسول للعالمين، فلا يسع الخضر ولا غيره أن يتخلف عن الإيمان به واتباعه ولذلك فلا وجود بتاتًا للخضر وأمثاله بعد بعثة الرسول محمد - ﵌ -.
٥ - لا شك أن ما فعله الخضر فعله عن وحي حقيقي من الله وليس عن مجرد خيال أو إلهام؛ لأن قتل النفس لا يجوز بمجرد الظن، ولذلك قال الخضر: «وما فعلته عن أمري». فلم يفعل إلا عن أمر الله الصادق ووحيه القطعي. ومثل هذا الأمر والوحي القطعي قد انقطع بوفاة النبي - ﵌ - فلا وحي بعده، ومن ادعى شيئًا من ذلك فقد كفر؛ لأنه بذلك خالف القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب:٤٠).
وقال أيضًا رسول الله - ﵌ -: «وختم بي النبيون فلا نبي بعدي» (رواه مسلم).
* من بيان الحقائق السالفة تتضح لنا الصورة الحقيقية لقصة الخضر - ﵇ -، والاعتقاد الواجب فيه حسب الكتاب والسنة.
ولكن المتصوفة جعلوا من هذه القصة شيئًا مختلفًا تمامًا. فقد زعموا أن الخضر حيّ إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه وَلِيّ وليس بنبيّ، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول محمد - ﵌ - وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها، فكما أن الخضرـ وهو وليّ فقط في زعمهم - كان أعلم من موسى فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد - ﵌ -؛ لأن محمدًا عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة.
وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية، ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة فما يكون معصية في الشريعة كشرب الخمر والزنا واللواط، قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني، وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل وليّ كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف عن الوحي النبوي.
وهكذا جعل المتصوفة من قصة الخضر بابًا عظيمًا لإدخال كل أنواع الخرافات والزندقة والجهل والإسفاف، بل منهم من زعم أن الخضر لا يصلي لأنه على شريعة خاصة!!.
* الصواب الذي عليه المحققون أن الخضر ميت وأنه لم يدرك الإسلام، والأدلة على ذلك:١ - لو كان موجودًا في زمان النبي - ﵌ - لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرفع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم.
٢ - ليس للمسلمين بالخضر حاجة في دينهم ودنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول - ﵌ - النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحكمة، وقال لهم نبيهم «لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم» (رواه الإمام أحمد وإسناده حسن) وعيسى بن مريم - ﵇ - إذا نزل من السماء إنما يحكم في المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد - ﵌ -، فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره.
٣ - إذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي - ﵌ - ذلك قط، ولا خلفاؤه الراشدون؟!!
٤ - إن قال قائل: إن الخضر نقيب الأولياء، فيقال له: من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد - ﵌ -، وليس فيهم الخضر، وغاية ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر، وقال
[ ١٦٠ ]
إنه الخضر. وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال - وقد ذُكِر له الخضر ـ: «من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان».
٥ - ليس هناك دليل قط على أن الخضر حي أو موجود - كما يزعم الزاعمون - بل على العكس، هناك أدلة من القرآن والسنة والمعقول وإجماع المحققين من الأمة على أن الخضر ليس حيًا.
ذكر الإمام ابن القيم - ﵀ - في كتابه (المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف) ضوابط للحديث الموضوع الذي لا يقبل في الدين، ومن هذه الضوابط: «الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد.
وسئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق، فقال: ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان. وسئل البخاري عن الخضر والياس هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبي - ﵌ -: «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» [رواه الشيخان]. وسئل عن ذلك كثير غيرهما من الأئمة فقالوا - مستدلين بالقرآن ـ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٤)
فالقرآن، والسنة، وكلام المحققين من علماء الأمة ينفي حياة الخضر.
القرآن يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٤) فالخضر إن كان بشرًا فلن يكون خالدًا، حيث ينفي ذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ فإنه لو كان موجودًا لجاء إلى النبي - ﵌ -، فقد قال - ﵌ -: «والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا ما وسعه الا أن يتبعني» (رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني) فإن كان الخضر نبيًا، فليس هو بأفضل من موسى، وإن كان وليًا فليس أفضل من أبي بكر.
وما الحكمة في أن يبقى طيلة هذه المدة - كما يزعم الزاعمون - في الفلوات والقفار والجبال؟ ما الفائدة من هذا؟ ليس هناك فائدة شرعية ولا عقلية من وراء هذا. إنما يميل الناس دائمًا إلى الغرائب والعجائب والقصص والأساطير، ويصورونها تصويرًا من عند أنفسهم ومن صنع خيالهم، ثم يُضْفون عليها ثوبًا دينيًا، ويروج هذا بين بعض
[ ١٦٢ ]
السذج، ويزعمون هذا من دينهم، ولكن ليس هذا من الدين في شيء والحكايات التي تحكي عن الخضر إنما هي مخترعات ما أنزل الله بها من سلطان
هل الخضر نبي أم ولي؟ قد اختلف العلماء في ذلك، والأظهر أنه نبي - كما يبدو من قول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكهف: ٨٢) أي ليس لي دخل في الذي فعلت فهي دليل على أنه فعل ذلك عن أمر الله، ومن وحيه لا من عند نفسه. فالأرجح أنه نبي وليس مجرد ولي.
وممايؤكد أنه نبي أن الله ﵎ قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ والله ﵎ لا يؤتي هذا العلم الا لنبي.
فالخضر - ﵇ - على قول أغلب العلماء نبي. وليس بعجيب أن يتعلم نبي من نبي.
قد يقول البعض: وهل ينبني على ذلك حكم؟ نقول نعم فقد قيل: «إن أول عقدة تحل من الزندقة أن يكون الخضر نبيًا»؛ لأن غلاة الصوفية يزعمون أن الولي أعظم من النبي مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي. فالولي عندهم أعظم من النبي. وهذا ضلال مبين وزندقة؛ لأن النبوة ليست مكتسبة. إن النبوة منحة من الله - ﷿ - لا تكتسب فلذلك كان إثبات أن الخضر نبي أول عقدة تحل من هذا الحبل الطويل من الزندقة.
هل الخضر أعلم من موسى سدد خطاكم؟ الجواب: لا؛ لأن الخضر - ﵇ - كان أعلم منه بهذه الجزئية التي علمه الله تعالى اياها فقط، أما في بقية العلم فلا شك أن موسى - ﵇ - أعلم، ولا شك أن موسى أفضل من الخضرسدد خطاكم؛ لذلك قال له الخضر لما نقر العصفور من ماء البحر، قَالَ: «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ»، فهنا الخضر - ﵇ - إنما هو أعلم من موسى بهذه الجزئية فقط.
[ ١٦٣ ]