الرد: أولًا: هذه القصة أكذوبة من أكذوبات القبوريين، وليس لها أي سند صحيح يُعتضد به. فهذه الرواية سندها إلى الشافعي فيه مجاهيل كما حكى العلامة المعلمي.
وقال الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة ١/ ٣١): «هذه رواية ضعيفة بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال»
والصوفية مطالبون بتبيين صحة سند هذه الرواية. وإلا فهم محجوجون بقول الشافعي:
«مثل الذي يطلب الحديث بلا اسناد كمثل حطاب ليل حزمة حطب وفيها أفعى وهو لا
[ ١٠٩ ]
يدري». (فيض القدير ١/ ٤٣٣). فأنتم حُطّاب ليل إن لم تأتوا بالسند صحيحًا. هذا من مذهب الشافعي.
ثانيًا: هذا سندٍ قوي عن الشافعي من كتبه، فقد قال: «وأكره أن يعظم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس» (الأم ١/ ٢٧٨). (راجع معنى الكراهة في كلام السلف في بداية هذا الكتاب)
وهذا تناقض بين القول والفعل ينزه عنه الشافعي. ولو كان هذا التبرك صحيحًا لقال له الناس: «كيف تخشى على الناس فتنة لا تخشها على نفسك!».ولو كان الشافعي محبذا للتبرك بالقبور لما نهى عن البناء عليها وأنتم لا توافقون على ذلك.
ثانيًا: في عصر الإمام الشافعي لم يكن ببغداد قبر للإمام أبي حنيفة ينتابه الناس للدعاء عنده ألبته. وكان المعروف عند أهل العلم هدم ما يبنى على القبور وذلك باعتراف الشافعي نفسه. فقد روى عنه النووي قوله فيما يبنى على القبر:
«رأيت من الولاة من يهدم ما بُنىَ فيها ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك» (المجموع ٥/ ٢٩٨، شرح مسلم ٧/ ٢٤).
ثالثًا: أين كان الشافعي ليأتي قبر أبي حنيفة (كل يوم) وقد كان في أول أمره بالحجاز ثم انتقل إلى مصر. وقد كان الشافعي بالحجاز بمكة أو المدينة وفيها قبر من هو خير من أبي حنيفة: وهو قبر رسول الله - ﵌ - وقبور أصحابه، فلم يعرف عنه أنه كان يأتيه ليدعو عنده ويتبرك به. فما له يفضل قبر أبي حنيفة على قبر سيد ولد آدم - ﵌ - وصحابته؟!
أأنتم أعلم بمذهب الشافعي أم النووي الذي حكى إجماع الأمة على النهي عن الاقتراب من القبر ولمسه باليد وتقبيله، ونقل مثله عن الحليمي والزعفراني وأبي موسى الأصبهاني؟
رابعًا: قد نهى أبو حنيفة - ﵀ - عن التوسل إلى الله بأنبيائه - ولا يمكن أن يكون ذلك خافيًا على الشافعي - فهل يرضى أبو حنيفة أن يتخذ أحد قبره للصلاة والعبادة. ولم يكن أحد من أصحاب أبي حنيفة وطبقته كمحمد وأبي يوسف يتحرون الدعاء عند قبره بعد موته. ولا يزالون ينكرون على من يمس القبر ويقولون - كما في (الفتاوى
[ ١١٠ ]
البزازية)، و(التتارخانية)، و(رد المحتار) - أن مس الرجل القبر للتبرك من عادة النصارى.
خامسًا: علَّمَنا الشافعي - ﵀ - أن ندور مع الكتاب والسنة مهما عظم الرجال قائلًا: «إذا رأيتم قولي يعارض قول الرسول - ﵌ - فاضربوا بقولي عرض الحائط».وبناءً على تعاليم الشافعي نضرب بفعله المزعوم - إن صح - عرض الحائط ونتمسك بنهي النبي - ﵌ - عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. وهذا أصل يعلم الله كم خالف فيه الصوفية الشافعي وسائر الأئمة الأفاضل. فالحق والشافعي حبيبان إلى قلوبنا: فإن افترقا فالحق أحب إلى قلوبنا من الشافعي.
سادسًا: على افتراض صحة سند هذه القصة المزعومة، فإن الصوفية لا يزالون مخالفين للشافعي - ﵀ -، فالرواية المكذوبة تُفيد بأن الشافعي - ﵀ - كان يدعو الله عند القبر، وأما الصوفية فمنهم من يدعون القبر نفسه فيطلبون المدد من الأولياء ويمسحون وجوههم وأيديهم بالقبر، وهيهات أن يفعل الشافعي ذلك.
[ ١١١ ]