فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح في زماننا هذا أمرًا نظريًا محضًا، فلا ينبغي إطالة القول فيه.
* أمر يجب تبيانه: وهو أن النبي - ﵌ - وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي - ﵌ - بعد تلك الغزوة رغّب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله - ﷿ -، وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي:
عن عبد الرحمن بن أبي قراد - ﵁ - أن النبي - ﵌ - توضأ يومًا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي - ﵌ -: «ما يحملكم على هذا؟» قالوا: حب الله ورسوله. فقال النبي - ﵌ -: «من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره» [قال الألباني: وهو حديث ثابت، له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما وقد أشار المنذري في (الترغيب) إلى تحسينه، وقد خرجته في (الصحيحة) برقم (٢٩٩٨)].
الشبهة الثانية عشرة: قد يقول الرجل لغيره: بحق الرحم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ (النساء:١) على قراءة حمزة وغيرِه ممن خفض الأرحام.
الجواب: على قراءة الخفض قال طائفة من السلف: «هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم»، وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يُقال: إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلًا على جوازه فمعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقسامًا بالرحم، والقسم هنا لا يسوغ، لكن بسبب الرحم، أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقًا كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة.
[ ١٠٨ ]
فقول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ (النساء:١) هو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره، يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بطاعة الأنبياء،، والصلاة عليهم.
ومن هذا الباب: ما يُرْوَى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: «كنت إذا سألت عليًا - ﵁ - شيئًا فلم يعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتَنيه، فيُعطينيه» أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم: أسألك بحق أنبيائك، ونحو ذلك. وليس كذلك، بل جعفر هو أخو عليّ، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يُوَلِّي» (رواه مسلم) ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعليّ - ﵁ - بحق النبي وإبراهيم الخليل سدد خطاكم ونحوهما، أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان عليّ - ﵁ - إلى تعظيم رسول الله - ﵌ - ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره.