الحديث الأول: عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا أقبل الله عليه بوجهه».رواه أحمد (٣/ ٢١) واللفظ له، وابن ماجه، وانظر تخريجه مفصلًا في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (رقم ٢٤). وإسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي
[ ٩١ ]
في (الأذكار) وابن تيمية في (القاعدة الجليلة) والذهبي في (الميزان) بل قال في (الضعفاء) (٨٨/ ١): «مجمع على ضعفه».
الحديث الثاني: حديث بلال - ﵁ - وهو ما روي عنه أنه قال: «كان رسول الله - ﵌ - إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ..» الحديث أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة، رقم٨٢) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عنه.
وهذا سند ضعيف جدًا، وآفته الوازع هذا، فإنه لم يكن عنده وازع يمنعه من الكذب، كما بينه الألباني في (السلسلة الضعيفة)، وقال النووي في (الأذكار): «حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث» وقال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: «هذا حديث واه جدًا».
* ومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبدًا، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته - ﷿ -؛ لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟ لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته - ﷿ -، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له ﵎.
الحديث الثالث: عن أبي أمامة قال: «كان رسول الله - ﵌ - إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد .. أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك ».
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ١١٧): «رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه».
قال الألباني: «بل هو ضعيف جدًا»، اتهمه ابن حبان فقال: «شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه». وقال أيضًا: «لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها».وقال ابن عدي في (الكامل) (٢٥/ ١٣): «أحاديثه كلها غير محفوظة».
الحديث الرابع: عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي - ﵃ - دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون فلما فرغ دخل رسول الله - ﵌ -، فاضطجع فيه فقال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بين أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين ».
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح).
قال الألباني: ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء) وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعّفه ابن عدي، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني: «ضعيف في الحديث»، وقال ابن ماكولا: «ضعَّفوه»، وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: «له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة» فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكرًا لتفرده به. وقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو كان الجرح مبهمًا، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا.
الحديث الخامس: عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: «كان رسول الله - ﵌ - يستفتح بصعاليك المهاجرين».
فيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي - ﵌ - كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا - بزعمهم - هو التوسل المختلف فيه نفسه.
قال الألباني: «والجواب من وجهين:
الأول: ضعف الحديث، فقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير):حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن أبيه عن أميه به.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بن عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد به. ثم رواه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة عن أمية بن خالد مرفوعًا بلفظ: «. .. يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين».
قال الألباني: «مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب) (١/ ٣٨): «لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل» وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (١/ ١٣٣): «ليست له صحبة ولا رواية».
قال الألباني: وفيه علة أخرى، وهي اختلاط أبي اسحاق وعنعنته، فإنه كان مدلسًا، إلا أن سفيان سمع منه قبل الاختلاط، فبقيت العلة الأخرى وهي العنعنة. فثبت بذلك ضعف الحديث وأنه لا تقوم به حجة. وهذا هو الجواب الأول.
الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دل عليه حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في (فيض القدير): «كان يستفتح» أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ (الأنفال: ١٩) ذكره الزمخشري. «ويستنصر» أي يطلب النصرة «بصعاليك المسلمين» أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم.
قال الألباني: وقد جاء هذا التفسير من حديثه، أخرجه النسائي بلفظ: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم» وسنده صحيح، وأصله في (صحيح البخاري)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين، لا بذواتهم وجاههم.
ومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: «كان يستفتح ويستنصر » فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم
[ ٩٢ ]
وإخلاصهم، وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث - إن صح - دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع، والحمد لله.
الحديث السادس: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك».
أخرجه الحاكم في (المستدرك) (٢/ ٦١٥) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: (صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب).
فتعقبه الذهبي فقال: «قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري مَن ذا»
قال الشيخ الألباني: ومن تناقض الحاكم في (المستدرك) نفسه أنه أورد فيه حديثًا آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: «والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد!».
قال الشيخ الألباني: «والفهري هذا أورده الذهبي في (الميزان) وساق له هذا الحديث وقال: «خبر باطل»، وكذا قال الحافظ ابن حجر في (اللسان) (٣/ ٣٦٠) وزاد عليه قوله في الفهري هذا: «لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته» قلت (أي الشيخ الألباني): «والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه».
قال الشيخ الألباني «والحديث رواه الطبراني في (المعجم الصغير):ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد ابن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون.
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وغيرهم. وقال ابن حبان: «كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك».
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم.
تنبيه هام: قال الشيخ الألباني: وقد أورد الحاكم نفسه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه (الضعفاء) كما سماه العلامة ابن عبد الهادي، وقال في آخره: «فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليدًا، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله - ﵌ -: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن» (رواه مسلم)
فمن تأمل في كلام الحاكم هذا والذي قبله يتبن له بوضوح أن حديث عبد الرحمن بن زيد هذا موضوع عند الحاكم نفسه، وأن من يرويه بعد العلم بحاله فهو أحد الكاذبَيْن. فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصحح الحديث بعد اتفاق هؤلاء على وضعه تقليدًا للحاكم في أحد قوليه، مع اختياره في قوله الآخر لطالب العلم أن لا يكتب حديث عبد الرحمن هذا، وأنه إن فعل كان أحد الكاذبين كما سبق.
* قال الشيخ الألباني: «للحديث علتان:
الأولى: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأنه ضعيف جدًا.
الثانية: جهالة الإسناد إلى عبد الرحمن.
وللحديث عندي علة أخرى. وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه، وتارة كان يرويه موقوفًا على عمر، لا يرفعه إلى النبي - ﵌ -».
* ثم على افتراض أن هذا الحديث ضعيف فقط كما يزعم بعض المخالفين - خلافًا لمن سبق ذكرهم من العلماء والحفاظ - فلا يجوز الاستدلال به على مشروعية التوسل المختلف فيه، لأنه - على قولهم - عبادة مشروعة، وأقل أحوال العبادة أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بنص صحيح تقوم به الحجة.
شيء عجيب: يعجب المسلم من اهتمام الصوفية بالقصص المختلَقة، وتتبعهم للحكايات المخالفة للنصوص المعتبرة، وعدم رفع الرأس بالآيات القامعة لأباطيل عقائدهم، وعزوفهم وتأويلاتهم للأحاديث الصريحة الصحيحة؛ بقصص وأحاديث مكذوبة موضوعة!! ثم هم يزعمون المحبة؟! أي محبة في عدم الاتباع، وبناء العقائد على الحكايات التي لا ترتفع إلى الضعف - في الغالب - فما بالك إلى الصحة، ظلمات موضوعة، وقصص مكذوبة!