* يُروى عن الإمام مالك بن أنس - ﵀ - قصة مع أبي جعفر المنصور العباسي يعتقد الصوفية أنها تؤيد احتجاجاتهم بتوسلاتهم بذوات المخلوقين، وفيها: «أنه - أي أبو جعفرـ سأل مالكًا فقال: يا أبا عبدالله، أأستقبل القبلة وأدعوا، أم أستقبلُ رسول الله - ﵌ -؟ فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلةُ أبيك آدم - ﵇ - إلى الله تعالى يوم القيامة؛ بل استقبله واستشفع به، فيشفعه الله».
الكلام على سند هذه القصة:
هذه القصة أخرجها القاضي عياض في (الشفا) باسناده عن الإمام مالك. وهي ليست بصحيحة عنه، بل إسنادها إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله، فابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئًا ولم يلقه؛ بل روايته عنه منقطعة غير متصلة.
وقد تُكُلِّم في محمد بن حميد الرازي - وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية - من غير واحد من الأئمة، ونسبه بعضهم إلى الكذب.
قال يعقوب بن شيبة السدوسي: محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ردئ المذهب، غير ثقة.
وقال أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبدالكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم. قلت له: قد شاخ، لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا يا بني، كان يتعمد.
وقال أبو حاتم الرازي: حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير، فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شِعر، فقال عون: ليس هذا الشعر في الحديث، إنما هو من كلام أبي. فتغافل ابن حميد فمر فيه.
وقال أبو نعيم عبدالملك بن محمد بن عدي: سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله وعنده عبدالرحمن بن يوسف بن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم للحديث، فذكروا ابن حميد، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جدًا، وأنه يحدث بما لم يسمعه وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث به الرازيين.
فهذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن، ورغم ذلك يزعم أحد دعاة الصوفية المعاصرين أن سندها صحيح. فالقصة مكذوبة، وسندها غريب.
وهذه الحكاية أيضًا منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكًا لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور. وفي الإسناد أيضًا من لا يعرف حاله.
هذه الحكاية لم يذكرها أحدٌ من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمَّد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل حكاية لا تُعرف إلا من جهته!!.
هذا إن ثبت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه.
الكلام على متن القصة: قوله: «أستقبل القبلة وأدعوا أم استقبل رسول الله وأدعو؟» فقال: «ولِمَ تصرفُ وجهَكَ عنه، وهو وسيلتُكَ ووسيلةُ أبيكَ آدم».
[ ٩٥ ]
* المعروف عن الإمام مالك وغيره من الأئمَّة، وسائر السلف من الصحابة والتابعين؛ أنَّ الداعي إذا سلم على النَّبِيِّ - ﵌ - ثمَّ أراد أن يدعو لنفسه؛ فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر عند السَّلام على النبي - ﵌ - والدُّعاء له.
فما في الحكاية المنقطعة من قوله: «استقبله واستشفع به» كذب على الإمام مالك، مخالف لأقواله، وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي نقلها الإمام مالك وأصحابه، ونقلها سائر العلماء، كل أحد منهم لم يستقبل القبر للدُّعاء لنفسه فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به.
الحديث السابع: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم»:
وبعضهم يرويه بلفظ: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم». وهذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (القاعدة الجليلة) (ص١٣٢، ١٥٠) قال: «مع أن جاهه - ﵌ - عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له.
فلا يلزم إذن من كون جاهه - ﵌ - عند ربه عظيمًا، أن نتوسل به إلى الله تعالى لعدم ثبوت الأمر به عنه - ﵌ -، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمدًا - ﵌ - هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. فهل يجوز لهم أن يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟
الجواب: إنه لا بد لمن يُجَوِّز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا لله - ﷾ -، وقد نهى النبي - ﵌ - أن يسجد أو يركع أحد
[ ٩٩ ]
لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي - ﵌ - للقيام. فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله - ﵌ -:إننا ننكر جاهه - ﵌ - وقدره؟ كلا ثم كلا.
فظهر من هذا بجلاء إن شاء الله تعالى أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي - ﵌ - وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.
هذا، وإن من جاهه - ﵌ - أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه - ﵌ - أنه قال: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به» (رواه الشافعي والطبراني وغيرهما) فإذا لم يأمرنا بهذا التوسل - ولو أمْرَ استحباب - فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانبًا، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه - ﵌ -، فالحب الصادق إنما هو بالاتباع، وليس بالابتداع كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران:٣١)