* إن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) ولم يثبت حديث عن النبي - ﵌ - يدل على أن الخلق خلقوا من أجله - ﵌ -، لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢)
شبهة: حديث «لولاك لما خلقت الأفلاك».
الجواب: حديث (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك) ذكره العجلوني في (كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) وقال: قال الصغاني: إنه موضوع، وذكره محمد بن علي الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) وقال: قال الصغاني: موضوع.
* قال الألباني - ﵀ - في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (١/ ٤٥٠):موضوع كما قاله الصغاني في (الأحاديث الموضوعة) (ص ٧)، وأما قول الشيخ القاري (٦٧ - ٦٨): لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: «أتاني جبريل فقال: يا محمد لولاك لما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار»
وفي رواية ابن عساكر: «لولاك ما خلقت الدنيا».
فأقول (الألباني): الجزم بصحة معناه لا يليق إلا بعد ثبوت ما نقله عن الديلمي، وهذا مما لم أر أحدًا تعرض لبيانه، وأنا وإن كنت لم أقف على سنده، فإنى لا أتردد في ضعفه، وحسبنا في التدليل على ذلك تفرد الديلمي به، ثم تأكدت من ضعفه، بل وهائه، حين وقفت على إسناده في (مسنده) (١/ ٤١ / ٢) من طريق عبيد الله بن موسى القرشي حدثنا الفضيل بن جعفر بن سليمان عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله ابن عباس عن أبيه عن ابن عباس به.
[ ١٧٧ ]
قلت: وآفته عبد الصمد هذا، قال العقيلي: حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به.
ثم ساق له حديثًا آخر في إكرام الشهود سيأتي برقم (٢٨٩٨)، ومن دونه لم أعرفهما، وأما رواية ابن عساكر فقد أخرجها ابن الجوزي أيضا في (الموضوعات) (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩) في حديث طويل عن سلمان مرفوعا وقال: إنه موضوع، وأقره السيوطي في (اللآليء) (١/ ٢٧٢).
شبهة: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك».
الجواب: هذا الحديث أخرجه الحاكم في (المستدرك) (٢/ ٦١٥) وقال عنه الإمام الذهبي: «موضوع».وقد تقدم الرد عليه بالتفصيل عند الرد على شبهات من زعم جواز التوسل بالمخلوقين فى الدعاء، وطلب الشفاعة منهم بعد وفاتهم تحت عنوان الشبهة السادسة: الأحاديث الضعيفة في التوسل: الحديث السادس.
* مخالفة هذا الحديث للقرآن: قال الشيخ الألباني: «ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به - ﵌ -، والله - ﷿ - يقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:٣٧). وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس - ﵁ - مما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحاكم (٣/ ٥٤٥) عنه: «﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قالت: أرأيت إن تبتُ وأصلحتُ،
[ ١٧٨ ]
أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾» وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقول ابن عباس هذا في حكم المرفوع من وجهين:
الأول: أنه أمر غيبي لا يقال من مجرد الرأي.
الثاني: أنه ورد في تفسير الآية، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع ولا سيما إذا كان من قول إمام المفسرين عبد الله بن عباس - ﵁ - الذي دعا له رسول الله - ﵌ - بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل».
الموضع الثاني: قوله في آخره: «ولولا محمد ما خلقتك» فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص صحيح، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩). والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنًا وسنة، وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال - ﷿ -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم - ﵌ - كمخالفة هذا الحديث الباطل.
شبهة: قال أحد دعاة الصوفية المعاصرين: معنى قولنا: «لولا سيدنا محمد - ﵌ - ما خلق الله الخلق» تلك عبارة لا تتناقض مع الإسلام وأصول العقيدة وأساسيات التوحيد، بل تؤكده وتدعمه خاصة إذا فُهِمت بالشكل الصحيح الذي سنبينه إن شاء الله.
فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد - ﵌ - ما خلق الله الخلق، هو أن الله - ﷾ - قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦)، فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد - ﵌ -، فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد، كما أن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين. أما باقي ما في السموات
[ ١٧٩ ]
والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:١٣) وسيدنا محمد - ﵌ - هو عنوان الإنسانية بل هو الإنسان الكامل »
الجواب: أولًا: ماذا لو فُهِمَتْ هذه العبارة بغير هذا الفهم الذي يقول إنه هو الفهم الصحيح، وخاصة أن الناس لا يفهمون ذلك من هذه الكلمة، بل المتبادر إلى أذهانهم أن الله خلق الخلق من أجل النبي - ﵌ -.وهذا الاعتقاد مخالف لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦).
فإذا اختلفت اعتقاداتنا - التي ليس عليها دليل لا من كتاب الله ولا من سنة سيدنا رسول الله - ﵌ - - مع آية من كتاب الله الذي أنزِلَ على رسوله - ﵌ -، فالأولى اتباع كتاب الله وسنة سيدنا رسول الله - ﵌ -.
ثانيًا: قوله: «فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد - ﵌ - ما خلق الله الخلق، هو أن الله - ﷾ - قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦)، فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد - ﵌ -، فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد»
الرد: إذا كان الأمر كذلك فهل يجوز أن يقال: خلق الله الخلق من أجل الأنبياء - ﵈ - ومن أجل الصحابة - ﵃ - ومن أجل الصالحين؛ لأنهم عنوان العبادة وعنوان التوحيد؟
ثالثًا: قوله: «إن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين. أما باقي ما في السموات والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:١٣) وسيدنا محمد - ﵌ - هو عنوان الإنسانية بل هو الإنسان الكامل »
[ ١٨٠ ]
الرد: أولًا: ماهذا التناقض؟ فهل معنى كلامه هذا أن الإنس والجن قد خلقوا لعبادة الله - ﷿ -، أما باقي ما في السموات والأرض فقد خلقوا من أجل سيدنا محمد - ﵌ -؟
ثانيًا: إذا كان باقي ما في السموات والأرض مخلوق لخدمة الإنسان - المؤمن والكافر - فهل يصح - حسب كلامه - أن نقول: إن باقي ما في السموات والأرض مخلوق لأجل فرعون وأبي جهل وبوش وشارون؟
ثالثًا: ما أنعم الله - ﷿ - به من تسخير ما في السماوات والأرض لخدمة الإنسان ليس معناه أنه لولا الإنسان ما خلقهما الله - ﷿ -.
قال الإمام الطبري: «قول تعالى ذكره: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من شمس وقمر ونجوم ﴿وَمَا فِي الأرْضِ﴾ من دابة وشجر وجبل وجماد وسفن لمنافعكم ومصالحكم ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾. يقول تعالى ذكره: جميع ما ذكرت لكم أيها الناس من هذه النعم، نِعم عليكم من الله أنعم بها عليكم، وفضل منه تفضّل به عليكم، فإياه فاحمدوا لا غيره، لأنه لم يشركه في إنعام هذه النعم عليكم شريك، بل تفرّد بإنعامها عليكم وجميعها منه، ومن نعمه، فلا تجعلوا له في شكركم له شريكًا بل أفردوه بالشكر والعبادة، وأخلصوا له الألوهة، فإنه لا إله لكم سواه».اهـ كلام الإمام الطبري.
قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف:٣).
قال الإمام الطبري - ﵀ -: «يقول تعالى ذكره: ما أحدثنا السموات والأرض فأوجدناهما خلقًا مصنوعًا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحقّ، يعني: إلا لإقامة الحقّ والعدل في الخلق.»
قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: «وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن خلقه تعالى للسماوات والأرض، وما بينهما لا يصح أن يكون باطلًا، ولا عبثًا بل ما خلقهما إلا بالحق، لأنه لو كان خلقهما عبثًا لكان ذلك العبث باطلًا ولعبًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، بل ما خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلا بالحق، وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق، ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم، حتى إذا انتهى الأجل المسمى
[ ١٨١ ]
لذلك بعث الخلائق، وجازاهم فيظهر في المؤمنين صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، وتظهر في الكافرين صفات عظمته، وشدة بطشه، وعظم نكاله، وشدة عدله، وإنصافه، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الفصل مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الدخان: ٣٨ - ٤٠) فقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بعد قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ يبين ما ذكرنا».ا. هـ بتصرف يسير
[ ١٨٢ ]