فصل: الصلاة على النبي صلى الله علية وسلم وحكمها
ثم قال الملحد:
البحث الخامس في الصلاة على الرسول –ﷺ- قد علمت مما تقدم أن الوهابيين وإخوانهم قالوا بتحريم الصلاة على الرسول –ﷺ-، وتكفير من يفعل ذلك، وهذا كفر صريح منهم، لأنه إنكار أمر واجب في محكم القرآن إلى آخر ما هذي به.
والجواب أن تقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وقد بينا فيما تقدم أن هذا من الكذب الموضوع على الوهابية، وأنه مما افتراه عليهم أعداء ورسوله، الذي ينفرون الناس عن الدخول في دين الله ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وإذا كان ذلك وتحققت أن الوهابية لا يحرمون الصلاة على النبي –ﷺ- بل يوجبونها، ويرون أن خطبة الجمعة لا تنعقد لا بذكر الصلاة على النبي –ﷺ-، وأنها عندهم ركن في الصلاة لا تتم الصلاة ولا تستقيم بدنها فاعلم أن من العلماء من يوجبها، ومنهم من لا يجوبها، ومن أوجبها منهم لم يكفر من لم يوجبها، ولم يقل إن ذلك معاداة للنبي –ﷺ-، وبغض له، أو تنقض بحقه، وسنذكر من كلام العلماء ما يبين ذلك يوضحه.
قال في "الجواب الباهر" الوجه الخامس: أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجبًا أو مستحبًا أو محرمًا أو مباحًا لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، والإجماع والاعتبار، والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول –ﷺ-، فالمتكلمون فيها سواء اتفقوا أو اختلفوا كلهم على الإيمان بالرسول وبما جاء به ووجوب اتباعه، وأن الحلال ما حلله، والحرام
[ ٢٩٣ ]
ما حرمه، والدين ما شرعه فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم، ووجوب تصديقهم، واتباعهم فيما أوجبوه وحرموه، والقائل منهم عن فعل أنه حرام أو مباح أو اجب إنما يقول أن الرسول حرمه أو أباحه أوجبه، ولو أضاف الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول –ﷺ- لم يلتفت إليه، ولم يكن من علماء المسلمين، وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل سنيهم وبدعيهم كلهم متفقون على وجوب ما بلغه الرسول عن الله وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة المفسرة لمجمل القرآن، وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها، وهو فاسد من وجوه كثيرة، ومن رد نصًا إنما يرده أما كونه لم يثبت عنده عن الرسول أو لكونه غير دال عنده على محل النزاع، أو لاعتقاده أنه منسوخ، ونحو ذلك كما قد بسطت الكلام على ما كتبته في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" وبينت أعذارهم في هذا الباب، وإن كان الواجب هو اتباع علم من الصواب مطلقًا، والكلام في ذلك سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك لا يدخل شيئًا من ذلك في مسائل سب الأنبياء وتنقصهم رسوله أو غير ذلك لا يدخل شيئًا من ذلك ي مسائل سب الأنبياء وتنقصهم ومعاداتهم، وإن كان المتكلم من هؤلاء مخطئًا فإن مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول، وتحريم ما حرمه، وإيجاب ما أوجبه، وتحليل ما حلله، وهذا مستلزم الإيمان بالرسول، وموالاته وتعظيمه فكيف يتصور مع ذلك أن يكون قاصدًا لمعاداته أو سبه أو التنقص به أو غير ذلك، هذا ممتنع ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحدًا من هؤلاء سبابًا للأنبياء، معاديًا، وإن قدر لم يكن في المسلمين من جعل أحدًا من هؤلاء سبابًا للأنبياء، معاديًا لهم، وإن قدر أنهم أخطأوا، وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة فإذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي –ﷺ- هل هي واجبة في الصلاة أو غير واجبة في الصلاة كقول الجمهور لم يقل أحد أن من لم يوجبها فقد تنقص الرسول أو سبه أو عاداه
والذين
[ ٢٩٤ ]
لم يوجبوها في الصلاة منهم من أوجبها خارج الصلاة، ومنهم من لم يوجبها يحال، وجعل الأمر في الآية أمر ندب، وحكحى الإجماع على ذلك، وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها في الصلاة وقال حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي –ﷺ- وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي –ﷺ- في التشهد غير واجبة، وقال وشذ الشافعي في ذلك فقال: من لم يصل على النبي –ﷺ- بعد التشهد الأخير وقبل السلام فعلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجره، قال: ولا سلف له في هذا القرآن، ولا سنة يتبعها قال: وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه مخالفته فيها من تقدمه جماعة، وشنعوا عليه الخلاف لحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد، وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد، قال: وقال أبو بكر بن المنذر يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على النبي –ﷺ-، فإن ترك تارك ذلك فصلاة مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم، وهو قول جملة أهل العلم، وحكي عن مالك سفيان أنها في التشهد لا خير مستحبة وأن تاركها في التشهد مسيء قال وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة، وأوجب استحقاق الإعادة مع تركها دون النسيان، قلت: وأحمد عنه في المسألة ثلاثة روايات كالأقوال الثلاثة اختار كل رواية طائفة من أصحابه، وذكر محمد بن المواز قولًا له كقول الشافعي قال: وقال الخطابي ليس بواجبه في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، قال: ولا أعلم له فيها قدوة، وحكى الوجوب عن أبي جعفر الباقر وأنه قال لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي –ﷺ- وأهل بيته لرأيت أنها لم تتم، وقال القاضي عياض: اعلم أن الصلاة على النبي –ﷺ- فرض على الجملة، مرغب فيه غير محدود بوقت
[ ٢٩٥ ]
لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه، وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب، وادعي فيه الإجماع فهذا بعض كلام العلماء في مثل هذه وحكايات إجماعات متناقضة، ومع هذا فلم يقل أحد أن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه ونحو ذلك، فإنهم كلهم قصدهم متابعته كل بحسب اجتهاده –﵃ أجمعين-، وكذلك تنازعوا هل تكره الصلاة عليه عند الذبح فكره ذلك ما لك وأحمد وغيرهما. قال القاضي عياض: وكره ابن حبيب ذكر النبي –ﷺ- إلا على طريق وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب قال: ولا يصلى عليه إلا على طريق الاستحباب، وطلب الثواب، وقال أصبغ عن ابن القاسم: موطنان لا يذكر لا يذكر فيهما إلا الله الذبح والعطاس، فلا يقال فيهما بعد ذكر الله محمد رسول الله، ولو قال بعد ذكر الله محمد رسول الله لم يكره تسميته له مع الله، وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي –ﷺ- استنانًا قلت: والشافعي لم يكره ذلك، بل قال هو من الإيمان، وهو قول طائفة من أحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا. انتهى.
وأما ما ذكر من الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي –ﷺ- فلا ننكر ما ثبت بالأسانيد الصحيحة عن النبي –ﷺ- وعن أصحابه، بل نؤمن بها ونصدق بها وقد ألف شمس الدين بن قيم الجوزية –رحمه الله تعالى- في ذلك مؤلفًا سماه "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام" وفيه ما يشفى المؤمن ويكفيه عما صنفه الغلاة ممن لا معرفة لديه بصحيح الأخبار وضعيفها، وذكروا فيها من الأحاديث والأخبار التي لا يصح منها شيء، ولا يعتمد على نقل رواتها لأنهم ليسوا من أهل العلم المحققين فلا حاجة بنا إلى شيء ويكفينا ما ذكره
[ ٢٩٦ ]
خلفاء الرسل ورثة الأنبياء الذين هم معالم الهدى ومصابيح الدجى، الذين أزال الله بهم عن سنته تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين وتحريف الغالين، فهم الأسرة وبهم القدوة.
وأما ما ذكر من المؤلفات كدلائل الخيرات وغيرها مما ذكر فدلائل الخيرات قد ذكر كثير من العلماء أن أكثر ما فيها من الموضوعات والمكذوبات وأن فيها من الغلو والإطراء ما لا ينبغي للمؤمن أن يقوله أو يعتمد عليه لعدم صحته وثبوته، ولمخالفته ما كان عليه العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة وقد نهى النبي –ﷺ- عن إطرائه والغو فيه، قال –ﷺ- "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما قوله وكذلك شروح الصلاة المشيشية وعده الرسائل التي للإمام السيوطي، فقد كفانا عن النظر فيها ما ألفه شمس الدين بن القيم لأنه من العلماء المحققين، والجهابذة المتقنين الذابين عن دين الله ورسوله ما انتحله المبطلون وحرفه الغالون ممن لا يوثق بنقلهم ولا يعتمد على مثلهم في العلوم الشرعية والمباحث الدينية.
وأما قوله: وللشيخ يوسف النبهاني حفظه الله فمن شاء فليراجع إليها فليستضيء من أنوارها ويرتوي من رحيقها.
فالجواب: أن يقال من يوسف النبهاني وما يوسف؟ لا أكثر اله في الناس أمثاله، وقطع دابره وشتت أوصاله، ومن كان على طريقته ونحلته من أحزابه وإخوانه وأهل ملته، لأنهم من الغواة الصعافقة المتعلمين، ومن أهل
[ ٢٩٧ ]
الجهالة المتمردين الغالين، المتبعين غير سبيل المؤمنين، والسالكين على طريق الغلاة من المشركين ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ وكان هذا الرجل المسمى بيوسف النبهاني من أهل فلسطين، من أنباط قرية أجذم من أهل حيفا ثم سكن في بيروت، وكان قاضيًا فيها يحكم بالقانون، ويدع الحكم بكتاب الله وسنة رسوله؛ ومن العجب العجاب أن هذا الرجل يدعى محبة النبي –ﷺ- ووضع فيه مدائح تجاوز فيها الحد وأفرط فيها، والحد، ومع ذلك يحكم بالقانون المخالف، لشريعة الرسول، لمأخوذ عن حكم الإفرنج من النصارى ويدع حكم الله ورسوله، وهذا من أشنع التناقض وأبشعه، وصنف كتابًا في الاستغاثة بالنبي –ﷺ-، ورد عليه أئمة أهل الإسلام وبينوا ما في كتابه من الأغلاط والأوهام والغلو المفرط الذي خرج به من دين المسلمين إلى دين عباد القبور من المشركين، وكان في عقيدته على طريقة أهل الاتحاد كابن عربي وأمثاله من أهل الكفر والعناد ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ وهم من أكفر خلق الله على الإطلاق، ومن أهل الزندقة والنفاق، وكان يجحد علو الله على خلقه واستوائه وعلى عرشه، وأنه ليس فوق السماء إله يعبد، ولا يصلى له ويسجدج، بل ليس فوقه عندهم إلا العدم المحض وبيان ذلك بقوله في رائيته الصغرى:
وهم باعتقاد الشرك أولى لقصرهم على جهة للعلو خالقنا قصرا
هو الله رب الكل ﷻ فما جهة بالله من جهة أخرى
[ ٢٩٨ ]
تأمل تجد هذي العوالم كلها بنسبة وسع لله كالذرة الصغرى
فحينئذٍ أين الجهات التي بها على الله من حمق بهم حكموا الفكرا
وإن اختلافًا للجهات محقق فكم ذا من الأقطار قطر علا قطرا
وكل علو فهو سفل، وعكسه وقل نحو هذا في اليمين وفي اليسرى
فمن قال علو كلها فهو صادق وذلك قد يقضي بآلهة أخرى
فمن يا يرى باشرك أولى اعتقادهم أولئك أم أصحاب سنتنا الغراء
وقد أجبته على رائيته بنحو من أربع مائة بيت ونيفًا فأدحضت حجته وبينت ضلالته، ولله الحمد والمنة، فهل يسوغ لمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن ينتقل عمن هذه حاله وهذا دينه وطريقته ونحلته أو يحرض على النظر في كتبه المشتملة على الكفر بالله والشرك به؟ ولكن هذا الرجل الذي ألف هذه الرسالة إن لم يكن أسوأ حالًا منه فليس دونه وهذا الرجل وأمثاله من الغلاة والضالين والغواة المبطلين من الذين قال الله فيهم ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوابِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[ ٢٩٩ ]