فصل: بطلان التوسل من الناحية العقلية
قال الملحد: فهذه عشرة من مئات وفي كل واحد من هذه العشرة معنى من معاني التوسل. وأزيدك إقناعًا إن شاء الله بمثل أضربه لك من نفسك وهو لو قال لك سلطان قد أمرت وزيري فلانًاَ أن يرفع لك حوائجك فأقضي ما أريد وأرد ما أريد فارفع أنت حوائجك وهو يرفعها إليّ فهل ترى من الأدب والطاعة والحزم امتثال أمره وطاعة مرسومه أم رده مخالفته بقولك لا أفعل ذلك ولا يكون بيني وبينك واسطة لأني أعتقد أن فيه شركًا بسلطانك؟ إخالك تدرك ما في هذا الرد من الفتح لأنك خالفت الأمر وتمردت عن الطاعة واستحقرت مقام وما لا يحسب ولعمرك إن فعلت ذلك وقعت في مثل الحفرة التي وقع فيها إبليس وأنت تحسب انك أحسنت صنعًا فتأمل أرشدني الله وإياك والحمد لله على إحسانك.
والجواب أن نقول: قد بينا فيما تقدم أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم كفر إجماعًا ولما ذكر شيخ الإسلام والمنع والتوسل والتشفع بغير الله وأن ذلك هو الذي أوقع الأمم السابقة في الشرك وذكر من الآيات والأحاديث الثابتة في الصحيحين ما يدل على ذلك أنكر عليه هذا الملحد وزعم أن هذا ضلال وتحريف لكلام الله ورسوله وزعم أنه سيدحض حجة شيخ الإسلام ويبين ضلاله وتحريفه لكلام الله ورسوله فذكر هذه الأحاديث الضعيفة التي لا يستدل بها إلا الضعفاء المنتسبين إلى العلم من الغلاة المحرفين لكلام الله ورسوله ثم أردف هذه الأحاديث بهذا المثل الذي ضربه لله
[ ٢٨٠ ]
مثلًا وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وسوى بين الله وبين خلفه فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقد حكى الله ﷾ عن المشركين المتخذين أولياء من دونه أنهم يقولون في النار لمن يعبدونهم ﴿تَالْلهِ إِنْ كُنَّا ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الآية فصار بما ذكر أنه يرد قول شيخ الإسلام ضحكة للساخرين وأعجوبة للمتعجبين سبحان من طبع على قلوب أعدائه للمتعجبين سبحان من طبع على قلوب أعدائه فأضلهم وأعمى أبصارهم فبعدًا للقوم الظالمين! وقد سبقه إلى هذا المثل أناس قبله ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم أنهم يحسنون صنعًا فأجابهم على ذلك خلفاء الرسل وورثة الأنبياء ومصابيح الدجى فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خيرًا قال شيخ الإسلام وهؤلاء المشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا لله أندادًا وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة أما لأخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفون ومن قال إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته ودفع أعاديهم إلا بأعوان يعينونه فلا بد له من أعوان وأنصار لذله وعجزه والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الذين زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الْسَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ
[ ٢٨١ ]
ظَهِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكًَا فِي الْمُلْكِ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الْذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًَا﴾ وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما فإن من يشفع عند غير بغير إذنه فهو شريك في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته حتى جعله يفعل ما يطلب منه والله ﷾ لا شريك له بوجه من الوجوه ويسمى الشفع شفيعًا لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعًا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه.
الوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليه ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظ أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وإما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدلول عليه والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على أيدي بعض فنجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده
[ ٢٨٢ ]
أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه، ولهذا قال النبي –ﷺ-: "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فالله لا مكره له" والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الْشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك وقد يكون شركه لهم في الملك وقد يكون مظاهرًا لهم معاونًا على ملكه وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك لهم والملك يقبل شفاعتهم تارة على إنعامهم عليه حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إن لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه أو أن يسعى في ضرره وشفاعة العبادة بعضهم عند بع كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة والله تعالى لا يرجو أحدًا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلهِ مَنْ فِي الْسَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الْظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية وقوله:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ﴾ استفهام إنكار، أي ليس متبع الذين يدعون من دون الله شركاء حجة ولا برهانًا ما يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون بين الله تعالى أن من دعا من دون الله شركاء فليس معه علم، ليس معه إلا الظن والخرص، والظن المقرون بالخرص هو ظن باطل غير مطابق للحق، فإن الخرص هنا معني الكذب، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ومن ظن أن "ما" هنا نافية فقد فسر الآية بما هو خطأ كما قد بسط في غير هذا الموضع، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من
[ ٢٨٣ ]
الشفاعة عند المخلوق. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُنَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ، قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلمُ فِي الْسَّمَاوَاتَ وَلَا فِي الْأَرَضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ وقال عن صاحب يس ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ الآية وقال ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، وأخبر عن المشركين أنهم قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ فأخبر أن من يدعي من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت بين الله تعالى وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد الأوثان وكانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائط يتقربون بها إلى الله تعالى وهو الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ثم ذكر آيات
[ ٢٨٤ ]
في المعنى، وهذا الذي قاله الشيخ لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما اشتبه الأمر على هؤلاء الضلال لما قدم العهد ونسي العلم واعتادوا سؤال غير الله فيما يختص به تعالى ونشأوا على ذلك وبما ذكره شيخ الإسلام كفاية لمن أراد الله هدايته، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.
فصل
ثم ذكر هذا الملحد بعد هذا المثل الذي ضربه كلامًا لا فائدة في جوابه، ثم قال: البحث الرابع في الاستغفار والاستشفاع وأن كان فيما تقدم عن التوسل كفاية لإثبات جواز الاستغفار والاستشفاع لكني رأيت في كلام الله تعالى وكلام رسوله -﵊- ما نفرد معناه عن معنى التوسل الذي يذهب إليه العوام كما تقدم فأفردته في هذا البحث وبالله المستعان "سؤال": هل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف وقوع الاستشفاع والاستغفار لا مع الأنبياء وغيرهم لأحد من الناس؟ فإن قلت نعم قلنا حيث إن الوهابية وإخوانهم لا ينكرون هذا النوع لكنهم يحظرون طلبة بواسطة أحد فهل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف ما يبيح الطلب؟
والجواب: أن كلا النوعين وارد في القرآن العظيم والحديث الشريف وفي وفي بعض ما جاء فيها ليس إباحة فقط بل أمر بالطلب ولا يخفاك أن كل ما جاء بصيغة الأمر قد يكون فرضًا وقد يكون واجبًا، وإليك بيان كل نوع من الترتيب النوع الأول: الشاهد الأول قال الله تعالى في سورة المؤمن ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيسْتَغَفِرُونَ للَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآيات الثلاث، ففي هذه الآيات جمع أمور الثلاثة التوسل بقوله ﴿رَبَّنَا
[ ٢٨٥ ]
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْئٍ﴾ وطلب المغفرة بقولهم ﴿فَاغْفِرْ﴾ والشفاعة بقولهم ﴿وَأَدْخِلْهُمْ وَقِهِمُ الْسَّيِّئَاتِ﴾ فهخذا ما أخبر الله به عن حملة عرشه وغيرهم ومثل هذا في أول سورة الشورى.
والجواب: أنا قد بينا فيما تقدم الدلائل الشرعية والبراهين العقلية على بطلان دعوى هذا الملحد من جواز طلب التوسل والاستشفاع والاستغفار من الأموات والغائبين ولكن ننبه على ما ذكره في هذا البحث بعض التنبيه والإشارة على بطلان ما افتراه وادعاه على كتاب الله وسنة رسوله على جواز ذلك والأمر به.
أما قوله: النوع الأول الشاهد الأول قال الله تعالى في سورة المؤمن ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخر كلامه فجوابه أن استغفار الملائكة للذين آمنوا أمر لهم من الله ﷾ بهذا الطلب والسؤال وهو من أفضل العبادات وأشرفها فإن الملائكة يسألون الله ويطلبونه بفعل ما أمرهم به من الاستغفار للمؤمنين ولم يطلبوا من الله سبحانه ويسألوه أن يغفر لهم بحق أحد من خلقه أو بجاهه من الأموات ولا من الغائبين فقياس طلب الملائكة الأحياء المأمورين بهذا الطلب من أفسد القياس وأبطل الباطل وأضل الضلال ولا يقول مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن طلب الملائكة المأمورين بالاستغفار للمؤمنين إذا كان جائزًا أو مأمورًا به أنه يدل على جواز طلب الأحياء من البشر والاستغفار من الأموات والغائبين من الأنبياء والأولياء وغيرهم هذا لا يقوله أحد يؤمن بالله واليوم الآخر فبطل ما موه به هذا الملحد من الاستشهاد بالآية لأن هذا طلب من حي قادر على ذلك مأمور به، وأما الطب من الأموات والغائبين فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة والا التابعبين لأنه أمر غير مقدور عليه
[ ٢٨٦ ]
ولا مأمور به ومن أجاز ذلك فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ولا شرعه رسوله –ﷺ- لأمته فيكون باطلًا مردودًا والذي ذكره المفسرون على هذا الآيات على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآيات يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين أنهم يسبحون بحمد ربهم أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح ويؤمنون به أي خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم يستغفرون للذين أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب فقيض الله تعالى ملائكته المقربين يدعون للمؤمنين بظهر الغيب ولما كان هذا من سجايا الملائكة –عليهم الصلاة والسلام- كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب كما ثبت في صحيح مسلم إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله إلى أن قال ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًَا﴾ أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات وقهم عذاب الجحيم –أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم- ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلاح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم –أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال ﵎ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بِإيمَانِ أَلْحَقْنَا ذُرِّيَتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْئٍ﴾ أي ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى
[ ٢٨٧ ]
يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل فساريناه بكثير العمل، تفضلًا منا ومنة، وقال سعيد بن جبير: أن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلُحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: انصح عباد الله للمؤمنين الملائكة، ثم تلا هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية، واغش عباده للمؤمنين الشياطين.
وقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك ﴿وَقِهِمُ الْسَّيِّئَاتِ﴾ أي فعلها، ووبالها ممن وقعت منه ﴿وَمَنْ تَقِ الْسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي لطفت به ونجيته من العقوبة ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ انتهى من تفسير العماد بن كثير الشافعي –رحمه الله تعالى-، وليس فيما ذكره المفسرون شيء مما ذكره هذا الملحد ولا فيه إذا سأل الملائكة ربهم للمؤمنين الاستغفار أنه يجوز قياسًا على هذا سؤال الأموات والغائبين من الأنبياء والأولياء والصالحين الاستغفار والاستشفاع بهم، هذا لم يقله أحد من المفسرين، وإنما يقوله أمثال هؤلاء الغلاة المحرفين لكلام الله ورسوله، فلا يعتمد على قوله وعلى نقلهم بل هو من البدع المحدثة في الإسلام فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه والله أعلم.
ثم قال الملحد: الثاني: قال الله تعالى في سورة الشعراء عن لسان خليله إبراهيم –﵇- ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْضَّالِينَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
[ ٢٨٨ ]
فهذا الخليل –﵇- مع علمه بإصرار أبيه على الشرك ما ترك الإلحاح على ربه بنجاة أبيه، وهذا الطلب من الخليل جاء في بضع مواضع من القرآن.
والجواب أن يقال: هذا من جنس ما قبله فغن الخليل –﵇- إنما طلب الله وسأله، ولم يسأله بأحد من الأموات والغائبين، ثم لماتبين أنه عدو لله تبرأ منه، فأي دليل في هذا على طلب الاستغفار من الأنبياء والأولياء من الأموات والغائبين لو كان أهل الشرك يعلمون؟ وكذلك ما ذكره بقوله في سورة هود قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، بل أثنى عليه بقوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ وهذه المدافعة تكررت منه أيضًا –﵇-، فيقال لهذا الملحد: أي دليل في هذا على دعاء الأموات والغائبين؟ غاية ما في هذه الآية دعاء إبراهيم ربه أن يدفع عنهم العذاب، وإلحاحه في ذلك، وليس فيه أنه توسل بأحد من الخلق إلى الله أن يدفع عنهم العذاب ولا أنه إذا كان دعاء الله جائزًا مأمورًا به مشروعًا طاعة لله وعبادة أنه يجوز للمخلوق أن يسأل الأموات والغائبين فيما لا يقدرون عليه قياسًا على دعاء إبراهيم ربه، فإن هذا من أفسد القياس، فإن إبراهيم دعا إلهًا حيًا قادرًا بيده الأمر وإليه يرجع الأمر كله، والمخلوق الميت ليس بيده شيء من الأمر، ولا قدرة له على شيء بعد موته، فسبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وكذلك قوله في الاستشهاد والرابع في سورة التوبة قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية إلى آخر كلامه. فيقال: وهذا من جنس ما قبله فإن رسول –ﷺ- إنما سأل الله فأي دليل في هذا دليل على سؤال غير الله والطلب منه.
[ ٢٨٩ ]
ثم قال: الخامس في سورة الأعراف ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ فهذا موسى –﵇- يطلب لقومه مغفرة ذنب طلبهم رؤية لله تعالى وعبادتهم العجل، وما أنكر الله عليه ذلك بل أجاب على الشروط المذكورة بعد هذه الآية.
فيقال لهذا الذي أعمى الله بصيرة قلبه: وهذا من جنس ما قبله ليس فيه إلا دعاء الله، وطلبه المغفرة للمذنبين من قومه، وهذا من أفضل العبادات وأجلها، ولا مانع من ذلك فإن هذه عبادة مأمور بها، وإذا كان، وإذا كان هذا عبادة لله مأمورًا بها فكيف يقاس عليها سؤال المخلوق الميت العاجز الذي قد انقطعت حركته وعمله وهو لم يكن طاعة لله ولا عبادة له ولا مأمورًا بها، بل هي معصية لله مخالفة ما أمر الله به ورسوله؟ وكذلك قوله: السادس في سورة نوح ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ الآية وجوابه في هذا ما تقدم، وكذلك قوله: السابع في آخر سورة المائدة قول المسيح –﵇- ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية فهذا المسيح –﵇- يطلب المغفرة لقومه، فهذا شفقة الأنبياء والرسل ورحمتهم بأممهم، عظيم ما يفعلون، وقبيح، وقبيح ما يعتقدون، وأي خسران أقبح ممن يجيد عن سنتهم ولا يجعلهم وسيلة إلى ربه، وجوابه، عن هذه ما تقدم الأجوبة، نقول: أي خسارة أخسر من خسارة من سوى بين الله وبين خلقه وجعلهم وسيلة ووسائط فيما لا يقدر عليه إلا الله وقد أمر الله بدعائه واستغفاره ونهى أن يدعى معه أحد غيره، فكيف يقاس ما نهى عنه على ما أمر به، فإن هذا طاعة، وهذه معصية، ثم ذكر آيات في النوع الثاني المؤمنين على نحو ما سبق، ثم قال هذا استنباط ألقاه الله في روعي ولم أره في كلام أحد فهذا يكفي في جوابه أنه مما ألقي في روعه ولم يقله أحد قبله فكان من
[ ٢٩٠ ]
وحي الشيطان وإلقائه، قال الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الآية ولو كان هذا الاستنباط مما يذكره العلماء ويجوز الاستدلال به لسبقه إلى ذلك سابق، ولو واحدًا، فكيف ولم يسبقه إليه أحد، وهذا يكفي في بطلانه وعدم إدراكه للعلوم الشرعية، والأقوال المرضية، ثم ذكر من الأحاديث ما رواه مسلم –﵀- عن عمر –﵁- حديثًا طويلًا أن الرسول –﵊- قال لعمر وعلي –﵄- "إذا لقيتما أويس القرني فاسألاه أن يستغفر لكما" الحديث بتمامه، وكذلك ما ذكر من السير وأخبار الصحابة ووفود المسلمين، وسؤالهم من النبي –ﷺ- الاستغفار فهذا كله لا حجة فإنه سؤال من حي قادر، على الدعاء وعلى ما ينفع المسلم به أخاه المسلم، وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، وتقول ادع الله، كما كان الصحابة يسألونه في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا إنهم سألوه ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسهن وكذلك ما ذكره عن البزار وأبي منصور البغدادي وابن سعد عن ابن مسعود –﵁- والسيوطي في "الجامع الصغير" عن جماعة حديث "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت فآتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيرًا حمد الله تعالى، وإن رأيت شرًا استغفرت لكم" وجوابه أن يقال هذا الحديث لم يذكر له إسنادًا ولا بد من ذكر إسناده، ومعرفة رواته، وإذا لم يذكر ذلك فلا حجة فيه، ولا يعتمد على مثله إلا بعد ذكر رواته، وأنهم عدول أثبات لا مطعن فيهم ولا مغمز، فلا يعتمد على مثله، وعلى تقدير صحته
[ ٢٩١ ]
وثبوته فليس فيه إلا أنه –ﷺ- إذا رأى شرًا استغفر لأمته، ولم يأمر –﵊- من أذنب أن يسأله الاستغفار، ولا أن يتوسل به ويستشفع به، فلا يكون فيه حجة على طلب ما لم يأمر به، ومن زعم ذلك فقد افترى على الله وعلى رسوله، وقال ما لا علم له به لأن ذلك لم ينقل عن أحد من أصحابه، ولو كان ذلك مشروعًا مطلوبًا لكانوا أسبق النار إليه، وأرغبهم فيه، وإذا لم يكن ذلك منقولًا عن أحد منهم كان ذلك دليلًا على عدم مشروعيته والله أعلم، وكذلك ما ذكر في الحديث الرابع من أن امرأة أتت النبي –ﷺ- فقال له يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي، فقال –ﷺ-: "صلى الله عليك وعلى زوجك" فهذا ليس فيه إلا الدعاء، لها ولزوجها، وهذا لا ينكره أحد، ولا نزاع في جوازه في حياته، وأما بعد وفاته فممنوع لما تقدم من الأدلة المانعة من ذلك، وهذه الآيات التي ذكرها هذا الملحد كذلك، والأحاديث التي تقدم ذكرها على تقدير صحتها وثبوتها ليس فيها ما يدل على مطلوبه، ولكن من يرد الله فتنته فلن تملك من الله شيئًا ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذا الضرب من الناس قد انتكست قلوبهم وعمي عليهم مطلوبهم وغلظ من معرفة الله ودينه وشرعه حجابهم، وكثر في باب العقائد الديانات اضطرابهم، ولا عجب من ذلك فإنهم قد كانوا من الهمج الرعاع، اتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق من الفهم.
[ ٢٩٢ ]