إذا تحققت هذا وعرفت ما ذكره شيخ الإسلام من الهجر المشروع وغير المشروع فاعلم يا أخي أن كثيرًا من الناس يهجرون على غير السنة وعلى غير ما شرعه ورسوله ويحبون ويوالون ويبغضون ويعادون على ذلك وذلك أن بعض الناس ممن ينتسب إلى طلب العلم والمعرفة أحدث لمن يدخل في هذا الدين شعارًا لم يشرعه الله ولا رسوله ولا ذكره المحققون أهل العلم لا في قديم الزمان ولا في حديثه وذلك أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه ويسمونها العمامة وأن ذلك من سنة رسول الله –ﷺ- فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في هذا الدين ومن لم يلبسها فليس منهم لأنه لم يلبس السنة وهذا لم يقل به أحد من العلماء ولا شرعه الله ولا رسوله بل هذا استحسان وهذا لم يقل به أحد من العلماء ولا شرعه الله ولا رسوله بل هذا استحسان منهم وظن أنه من السنة وليس هذا من السنة في شيء وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن رسول الله –ﷺ- مكث قبل النبوة أربعين سنة ولباسه لباس العرب المعتاد من الأزر والسراويل والأردية والعمائم وغيرها، ولما أكرمه الله بالرسالة والنبوة ورحم الله الخلق ببعثته ودخل الناس في دين الله أفواجًا وشرع الشرائع وسن السنن لأمته لم يشرع لهم لباسًا غير لباسهم المعتاد ولا جعل للمسلمين شعارًا يتميز به المسلمون من الكفار بل استمروا على هذا اللباس المعروف المعتاد إلى انقراض القرون الأربعة وما شاء الله بعدها لم يحدثوا لباسًا يخالف لباس العرب ولم يكن من عادتهم لبس المحارم والغتر والمشالح والعبي كما هو لبس العرب اليوم من الحاضرة والبادية.
[ ٣٣٠ ]
الوجه الثاني: ان هذه العصائب على المحارم والغتر وغيرها التي يسمونها العمائم ان كان المقصود بجعلها على الرؤوس وعلى المحارم الاقتداء برسول الله –ﷺ- في لباسه فهذه لم تكن هي العمائم التي كان رسول الله –ﷺ- وأصحابه وسائر العرب يلبسونها بل تلك كانت ساترة لجميع الرأس وعلى القلانس كما قال –ﷺ- "فرق ما بيننا وبين الأعاجم العمائم على القلانس" والقلنسوة هي الطاقية في عرفنا وعادة العرب في العمامة أنهم يجلعونها محنكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في "اقتضاء الصراط المستقيم" قال الميموني: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك وقال العرب أعمتها تحت أذاقانها وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد يكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك كراهة شديدة وقال إنما يتعمم يمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس انتهى. فذكر -﵀- ان العمامة من غير تحنيك من زي اليهود والنصارى والمجوس وقد أمرنا بمخالفتهم وكان رسول اللهﷺ – يلتحي بها تحت الحنك كما ذكر ذلك ابن القيم – ﵀ – في "الهدى النبوي" فلإي شيء لم يقتدوا برسول الله – ﷺ – في هذا اللباس على هذا الوضع ان كان المقصود الإقتداء برسول الله – ﷺ -.
الوجه الثالث: ان يقال لمن أحدث هذه العصائب لو كانت العمائم المعروفة على ما وضعنا ما وجه تخصيص هذه العمائم بالسنية من بين سائر لباس النبي – ﷺ – من الاردية والقمص والسراويل والازر وغيرها واللائق بالمقتدي ان يلبس جميع ما يلبسه –ﷺ – ولا يجعل بعضه مسنونًا وبعضه مهجورًا متروكًا؟.
الوجه الرابع: انه لما أحدث بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم شعارًا يتميز به
[ ٣٣١ ]
المصاب من غيره فيعزى أنكر ذلك المحققون من أهل العلم الذين لهم قدم صدق في العالمين. قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – في "عدة الصابرين": وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس لمعرفته يعزى ففيه نظر وأنكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك الرجل لبس ما عادته لبسه وقال هو من السلب وبالجملة فعاداتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة ولا يتركون ما كانوا يعملونه فهذا منافٍ للصبر والله أعلم. انتهى.
فتبين مما ذكره ابن القيم أن أحداث هذا الشعار عند المصيبة لم يكن السلف يفعلون شيئًا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين فكذلك هذه العصائب المحدثة التي زعموا أنه يتميز بها من دخل في هذا الدين عن من لم يدخل فيه إحداث شعار في الإسلام لم يفعله الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم من العلماء ومن زعم ذلك فعليه الدليل وليبين لنا من ذكره من العلماء في أي زمان وفي أي كتاب وفي أي باب من أبواب العلم.
الوجه الخامس: أن لبس العمائم الأردية والأزر وغيرها هو من العادات التي هي من قسيم المباحات التي لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها وقد أنكر بعض الجهمية من أهل "عمان" على المسلمين لبس المحارم وشرب القهوة وزعم أن هذه بدعة
[ ٣٣٢ ]
فأجابه به شيخنا الشيخ عبد اللطيف بقوله. وهذا من أدلة جهله وعدم ومعرفته للأحكام الشرعية والمقاصد النبوية فإن الكلام في العبادات لا في العادات والمباحث الدينية نوع والعادات الطبيعية نوع آخر فما اقتضته العادة من أكل وشرب ومركب ولباس ونحو ذلك ليس الكلام فيه والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة ولم يرد بها دليل شرعي من هديه –ﷺ- وهدي أصحابه وأما ما له أصل كإرث ذوي الأرحام وجمع المصحف والزيادة في أحد الشارب وقتل الزنديق ونحو ذلك فهذا وإن لم يفعل في وقته –ﷺ- فقد دل عليه الدليل الشرعي وبهذا التقريب تنحل إشكالات طال ما عرضت في المقام:
وقال –﵀- في رده على البولاقي "صاحب مصر" في قوله:
وها أنتمو قد تفعلون كغيركم حوادث قد جاءت عن الأب والجد
كحرب ببارود وشرب لقهوة وكم بدع زادت عن الحد والعبد
قال –رحمه الله تعالى-:
واعجب شيء إن عددت القهوة مع الحرب بالبارود في بدع الضد
وقد كان في الأعراض ستر جهالة غدوت بها من أشهر الناس في البلد
فما بدع في الدين تلك وإنما يراد بها الأحداث في قرب العبد
[ ٣٣٣ ]
قد تبين بما ذكره الشيخ أن العادات الطبيعية كالمآكل والمشارب والملابس والمراكب وغيرها والمباحث الدينية والمقاصد النبوية نوع آخر فلا يجعل ما هو من قسيم العادات الطبيعية من العبادات الشرعية الدينية إلا جاهل مفرط في الجهل وأما ما يوردونه من الأحاديث في فضل العمائم فلا يصح منها شيء ولو صحت لكانت محمولة على غير ما توهموه وعلى غير ما فهموه وقد بلغني عن بعض الإخوان أنهم ينكرون ما كان يعتاده المسلمون من لبس العقال سواء كان ذلك العقال أسود أو أحمر أو أبيض ويهجرون من لبسه ويعللون ذلك بأنه لم يلبسه رسول الله –ﷺ- ولا أصحابه ولم يكن ذلك يلبس في عهدهم ولا هو من هديهم وإذا كانت هذه العلة هي المانعة من لبسه فيكون حرامًا ولابسه قد خالف السنة فيقال لهم: وكذلك لم يكن الرسول –ﷺ- ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان يلبسون هذه "المشالح" الأحمر منها ولا الأبيض ولا الأسود والعبي على اختلاف ألوانها والكل من هذه الملابس صوف طاهر، وكذلك لم يكون يلبسون الغتر الشمغ على اختلاف ألوانها فلأي شيء كانت هذه الملابس حلالًا مباحًا لبسها وهذه العقل محرمة أو مكروهة لا يجوز لبسها والعلة في الجميع واحدة على زعمهم مع أن هذا لم ينقل عن أحد من العلماء تحريمه ولا كراهته وقد أظهر الله شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" فدعا الناس إلى توحيد الله وعبادته وقد كانوا قبل ظهوره في أمر دينهم على جهالة جهلاء وضلالة ظلماء فدعاهم إلى الله وإلى توحيده وكانوا قبل دعوته يعبدون الأولياء والصالحين والأحجار والأشجار والغيران وغير ذلك من المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون فدعا الناس إلى توحيده وعبادته وبين لهم الأحكام والشرائع والسنن حتى ظهر دين الله وانتشر في البلاد والعباد ولم يكن في
[ ٣٣٤ ]
وقته أحد يلبس هذه العصائب ولا أمر الناس بلبسها ولا ذكر أنها من السنن ولا أنكر على الناس ما كانوا يعتادونه من هذه الملابس كالعقل وغيرها لأنها من العادات الطبيعية لا العبادات الدينية:
فخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
الوجه السادس: أن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله –ﷺ- وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدي والسمت وعلى هذا فيكون الأصل في موضوعها هو ابتداء فعل أو قول لم يكن قبل ذلك مقولًا ولا مفعولًا ثم صار بعد الأمر بذلك مسنونًا مشروعًا لأن العبادات مبناها على الأمر وبيان ذلك أن الصحابة –﵃- كانوا إذا فات أحد منهم بعض الصلاة مع رسول الله –ﷺ- قضاها قبل السلام فجاء معاذ –﵁- وقد فاته بعض الصلاة مع رسول الله –ﷺ- وفرغ من الصلاة فقام معاذ فقضى ما فاته منها فقال رسول الله –ﷺ- "إن معاذ قد سن لكم سنة فاتبعوها" هذا هو المعروف من لفظ السنة وموضوعها وهذا بخلاف العمائم فإن رسول الله –ﷺ- لم يسن لأمته لبسها بل كانت هي عادة العرب قبل الإسلام وبعده فما وجه تسميتها بالسنة وتخصيصها لو كانوا يعلمون وإذا كانوا لا يعلمون أنها ليست سنة فهلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما دواء العي السؤال والله أعلم.
وأما قول السائل: وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فنقول: الكلام فيه كالكلام في الأزمان والأشخاص والأحوال يراعي فيه ما هو الأصلح وهو على المراتب الثلاث باليد فإن عجز عن ذلك فباللسان فإن عجز فبالقلب وذلك أضعف الإيمان ولكن ينبغي للآمر والناهي أن
[ ٣٣٥ ]
يكون عليمًا فيما يأمر به عليمًا فيما ينهي عنه حليمًا فيما يأمر به حليمًا فيما ينهي عنه رفيقًا فيما يأمر به رفيقًا فيما ينهي عنه فمن أهمل كان فساده أكثر من صلاحه، والله أعلم.
فصل
وأما قوله: "وهل إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه في وقت من الأوقات وهو يريد الرجوع يقع عليه وعينه من تغرب بعد الهجرة أم لا؟ ".
فالجواب أن يقال: إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه ومن نيته الرجوع إلى مسكنه وداره التي هاجر إليها لا يقع عليه وعيد من تعرب بعد الهجرة لأن رسول الله –ﷺ- قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر" وهذا الذي خرجه إلى غنمه ليصلحها ويتعاهد أحوالها ثم يرجع إلى مهاجره ليس من نيته التعرب بعد الهجرة ولا رغبة عن الإسلام وأهله فلا يدخل في الوعيد وقد اعتزل سعد بن أبي وقاص –﵁- أيام الفتنة التي كانت بين علي ومعاوية –﵄- في قصر له في البادية فقيل له في ذلك فقال:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا قال له أحد أنك تعربت بعد الهجرة وتركت داره الهجرة لأن رسول الله –ﷺ- قد أذن في مثل هذا كما هو مذكور
[ ٣٣٦ ]
في محله في غير هذا الموضع وهذا الذي ذكرناه عن بعض الإخوان لم يكن منا رجمًا بالغيب بل قد جاءوا إلينا وسألوا الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف عن هذه المسائل وعن هذه العصائب بخصوصها فأخبرهم أنها ليست من السنة في شيء وإنما هي من العادات الطبيعية لا من العبادات الدينية الشرعية وأغلظ لهم القول لما سألوه عن بعض هذه المسائل وأمرهم أن يتعلموا أصل دينهم الذي يدخلهم الله به الجنة وينجيهم به من النار فإذا تمكن هذا الدين من قلوبهم والجواب عن هذه المسائل وغيرها ممكن سهل وقد نفع الله كثيرًا من الإخوان الداخلين في هذا الدين فانزجروا عن تلك الورطات التي من سلكها أفضت به إلى مفاوز الهلكات ولولا ما دفع الله بإغلاظه لهم عنها لا تسمع الخرق على الواقع فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
[ ٣٣٧ ]