وأما ما ذكر عن طاغيتهم وإمام كفرهم كفرهم وضلالهم أحمد بن زيني دحلان بقوله: قال السيد أحمد دحلان –﵀-: وحاصل مذهب أهل السنة والجماعة والشيعة أيضًا صحة التوسل وجوازه النبي –ﷺ- في حياته وبعد وفاته، وكذا بغير من الأنبياء والأولياء والصالحين كما دلت عليه الآيات والأحاديث التي لا تحصى، لأنا معاشر أهل السنة لا نعتقد تأثيرًا ولا خلقًا ولا نفعًا ولا ضرًا لغير الله وحده، لا شريك له، ولا فرق عندنا في التوسل بالنبي –ﷺ- وغيره كما لا فرق بين كونهم أحياء أو أمواتًا، لأنا نعلم أن لا أثير لهم بشيء، وتوسلنا بهم لكونهم مقربين عند الله، مكرمين لديه، ولا نرتاب بأن جاههم عند الله محفوظًا بعد موتهم كما كان في حياتهم وهذا ليس فيه من الشرك، لكن الشرك المحض هو عند من يجوزون التوسل بالأحياء دون الأموات، ويعتقدون أن لهم تأثيرهم وبيدهم نفع وضر بل يعتقدون تأثير الأعراض والجمادات كالعدوى وأمثالها والتوسل والتشفع والاستعانة كلها عندنا بمعنى واحد، والفاعل المطلق هو الله تعالى.
والجواب: أن يقال: أولًا تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله، وقلب للمسميات الشرعية وما يراد من الإسلام والإيمان والشرك والكفر، قالله تعالى ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وهذا وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود، لغربة الإسلام، وبعد العهد بآثار النبوة، وأهل
[ ٣٠٠ ]
السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله –ﷺفي العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات، ولم يخرجوا عنها في باب العلم والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله – ﷺ -، وما سنة أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدى والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات، خلافا للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر، خلافا للقدرية النفاة، وللقدرية الجبرية العصاة، وخصت أيضًا على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله – ﷺ -، وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر، كقوله "الحج عرفة" أو لأنه وصف الفارق بينهم وبين غيرهم ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة ككتاب السنة للالكائي، والسنة لأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة والسنة لعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم، وغيرهم، وإذا كان الحال كما ذكرنا فقوله: وحاصل مذهب أهل السنة والجماعة والشيعة أيضًا صحة التوسل وجوازه بالنبي –ﷺ- وبعد وفاته، وكذا بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، يريد به هذا الملحد ما سيأتي في كلامه من أن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، يسمى توسلًا عنده وتشفعًا، وهذا فرار منه أن يسمى شركًا وكفرًا، وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات، وسيأتيك رد كلامه هنا، وأن التوسل صار مشتركًا في
[ ٣٠١ ]
عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركًا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه، فإياك أن تغتر بالإلحاد، وتغيير الأسماء، فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون عباد قبور، ولا يستريب في ذلك جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت ما جاءت به الرسل الكرام وهذا الضرب من الناس أعني عباد القبور يحسنون الظن بأنفهم ويرون أنهم أهل سنة وجماعة وهكذا أهل كل ملة ونحلة وبدعة وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وما أحسن قوله في قضائه بين إبراهيم وقومه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ومن عادة هؤلاء الزنادقة الملحدين إذا رأوا عبارة في مدح أهل السنة والجماعة وعدم تكفيرهم ادعوها لأنفسهم وشيعتهم من عباد القبور والصالحين والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. فإذا تبين لك ما ذكرنا فاعلم أن التوسل في عرف عباد القبور اليوم واصطلاحهم هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين لكونهم أسبابً ووسائل لنيل المقصود وإلا فهم يعتقدون أن الله هو النافع الضارة وأنه المتفرد بالإيجاد والإعدام وأن الله هو الخالق للأشياء وأن الله هو رب كل شيء ومليكه لا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض ولا استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين عباد الأوثان، وأما قوله ولا فرق عندنا في التوسل بالنبي –ﷺ- وغيره كما لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتًا لأنا نعلم أن لا تأثير لهم.
[ ٣٠٢ ]
بشيء إلى آخره.
فالجواب: أن يقال هذا تخليط وهذيان فإن الله لم يجعل للعباد قدرة على ما يختص به من الإغاثة المطلقة وأما الإغاثة بالأسباب العادية وما هو في طوق البشر وقدرتهم فهذا ليس الكلام فيه، والأموات لا قدرة لهم على الأسباب العادية وما هو في طوق البشر وقدرتهم والمسلمون متفقون على قول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن يؤمنون بقوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ خلق في الحي اختيارًا ومشيئة بها يثاب وبها يعاقب بها يكلف والميت ليس له قدرة الحي ولا يكلف بل ينقطع عمله بموته وتُطوى صحيفته ولا يسأل ولا يستفتى ولا يرجع إليه شيء مما للعباد عليه قدرة وسائر الحيوان يفرقون بين الحي والميت وهؤلاء الملاحدة لا يفرقون بين الحي والميت، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ واستغاثة الميت ليست سببًا كاستغاثة المخلوق فيما لا يقدر عليه ولم يجعل هذا سببًا إلا عباد الأصنام الذين هم أضل خلق الله يجعلون الأموات سببًا ووسيلة والميت ليس في شرع الله وما جاءتنا به رسله أن يدعو لمن لمن دعاه والكرامة ليست فعله بل هي فعل الله والمكرم لا يدعى ولا يستغاث به ولا يُرجى لشيء من الشدائد بل هذا فعل المشركين حذو النعل بالنعل كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ على أن القول بإسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقة باعتبار الخلق والإيجاد وأن الله هو الفاعل حقيقة وغلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب بديهي البطلان بيانه من وجوه الأول
[ ٣٠٣ ]
أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد وأن الله هو الفاعل حقيقة كما توهم صاحب الرسالة لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقيًا فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى حقيقة بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم وغير ذلك من الأعمال الحسنة؛ وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والفسق والفجور والزنا والكذب والسرقة والعقوق وقتل النفس وأكل الربا وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث واجتماع الأوصاف المتضادة المتناقضة والثاني لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب كما زعم هذا الزاعم لزم أن لا يكون الإنسان حقيقة مؤمنًا ولا كافر ولا برًا ولا فاجرًا ولا مصليًا ولا مزكيًا ولا صائمًا ولا حاجًا ولا مجاهدًا ولا زانيًا ولا سارقًا ولا قاتلًا ولا كاذبًا، فبطل الجزاء والحساب وتلغو الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
والثالث: أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سببًا للغوث وكسبًا، محتاج إلى إقامة الدليل ودونه لا تسمع بالجملة فهذه شبهة داحضة ووسوسة زاهقة تنادي بصوت على صاحبها بالجهل والسفة فتبين مما تقدم الفرق بين الحي والميت وأن الميت لا يقدر على شيء مما يقدر عليه الحي من الأسباب العادية، فإن الأسباب العادية التي يقدر عليها الحي وفي وسعه فهي وإن حصلت من العب فهي حقيقة لا مجاز، ولا ينازع في هذا من عرف شيئًا من اللغة والعبد يفعل حقيقة فيأكل حقيقة ويشرب حقيقة وينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا حقيقة، والله سبحانه
[ ٣٠٤ ]
خلق العبد وما يعمل، وهذا معروف من عقائد أهل السنة والجماعة، والمقصود أن هذا الملحد زعم أن طلب المشركين ممن يعبدونه من دون الله ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس بشرك لأن الله تعالى هو الفاعل لذلك حقيقة والله سبحانه يعطي لأجلهم إكرامًا لهم وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله إليهم رسوله –ﷺ- فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد وأما الأصنام وسائر المعبودين من دون الله فيقولون إنها أسباب وسائر عادية فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويعبدونهم وهذا هو دأب عبدة الصالحين في هذا الزمان يدعونهم ويستغيثون بهم وينحرون لهم وينذرون. والدعاء والاستغاثة والنحر والنذر كلها من أقسام العبادة على معناها المجازي فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذين حكى الله تعالى عنهم حيث قال ﷾: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ فما وجه الفرق؟ وأما قوله: ثم أطال الكلام في الرد على ما ينسب للغواء من الأقوال والأعمال التي يتوهمها الخصم من المكفرات وما هي من ذلك بشيء إلى آخر كلامه.
فالجواب أن نقول: قد بينا فيما تقدم أن ما يفعله عوام هؤلاء المشركين وخواصهم الغلاة من الأفعال والأقوال الشركية أنه هو عين الشرك المخرج من الملة ولا ينفعهم مع ذلك اعتذار هؤلاء الملاحدة عنهم أن هذا مجازي لأن معهم حقيقة التوحيد والإيمان وذلك أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويزكون ويحجون البيت الحرام وهذا لا ينفعهم مع وجود الحقيقة الكفر بالله ورسوله كما لا ينفعهم المنافقين الذين كانوا على عهد النبي –ﷺ- وقد كانوا يتلفظون بالشهادتين ويصلون ويزكون ويجاهدون مع النبي –ﷺ- وهم مع
[ ٣٠٥ ]
ذلك في الدرك الأسفل من النار وكذلك بنو عبيد القداح ملوك مصر كانوا يتلفظون بالشهادتين ويصلون الجمعة والجماعة وينصبون القضاة ويتظاهرون بالشغسلام فلما أظهروا أشياء تخالف الشرع دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
وبينا فيما تقدم أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعًا.
وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الله هدايته ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا، والمقصود بما كتبناه أن يتبين لمن هداه الله وكان خليًا من التعصب وليس له قصد إلا بيان الحق ووضوحه ضلال هؤلاء وتحاملهم على عباد الله الموحدين بمجرد الظلم والعدوان ومحض الأكاذيب والبهتان وأما هؤلاء الذين أعمى الله بصائرهم وختم على قلوبهم فهم كما قال فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ونحن نعلم أنه لا يزيدهم هذا إلا تكبرًا وعنادًا وتماديًا في الباطل وارتدادًا لأنه قد انتكست عن معرفة الحق قلوبهم وتمادت في الباطل وعمي عليهم ملطوبهم فهم في سكرتهم يعمهون وفي تربيتهم يترددون ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
[ ٣٠٦ ]