وأما قوله: ومن مذهبهم القول بالتجسيم للباري جل وعلا وقرروه في دروسهم.
فالجواب أن نقول: اعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتًا فيكون له الإثبات ولا نفيًا فيكون له النفي فمن أطلقه نفيًا وإثباتًا سئل عما أراد به فإن قال أردتُ بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه فلا يقال للهوا جسم لغة ولا للنار ولا للماء هذه اللغة وكتبها
[ ١٣١ ]
بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله سبحانه عقلًا وسمعًا وإن أرتم به المركب من المادة والصورة والمركب من الجواهر المفردة فهذا منفي عن الله سبحانه قطعًا والصواب نفيه من الممكنات أيضًا فليس لجسم المخلوق مركبًا من هذه ولا هذه وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب فهذه المعاني ثابتة للرب تعالى وهو موصوف بها فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسمًا كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريًا ولا نرد ما أخبر به الصادق المصدوق عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث متبعيها حشوية ولا نجد صفات خالقنا من علوه على خلقه واستوائه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مشبهًا:
فإن تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذًا لمجسم
وإن كان تشبيهًا ثبوت صفاته فمن ذلك التشبيه لا أتلعثم
وإن كان تنزيهًا جحود استوائه وأوصافه أو كونه يتكلم
فمن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه والله أعلى وأكرم
ورحمة الله على الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله المشهور:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى واهتف بقاعد خيفها والناهض
إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
وهذا كله مأخوذ من قول الشاعر الأول:
وعيرني الواشون أني أحبها وذلك ذنب لست منه أتوب
ومن هذا الوادي قول مجنون بني عامر لما ذهب به أبوه إلى البيت الحرام
[ ١٣٢ ]
وأراد أن يدعو عند الملتزم بزوال حب ليلى فالتزم بالملتزم وقال:
يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ويرحم الله عبدًا قال آمينا
وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار أعرف الخلق بالله تعالى بأصبعه رافعًا لها إلى السماء بمشهد الجمع الأعظم مستشهدًا له لا للقبلة وإن أردتم بالجسم ما يقال له أين فقد سأل أعلم الخلق بأين منهبًا على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن الجسم وأنه ليس بجسم وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من والى فقد نزل جبريل –﵇- من عنده تعالى وعرج برسوله –ﷺ- إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعبده عيسى ابن مريم المسيح رفعه إليه وإن أردتم بالجسم ما يتميز عنه من أمر غير أمر فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت الجلال والجمال جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة والإرادة وهذه صفات متميزة متغايرة من قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء.
وقد قال أعلم الخلق به "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منه" والمستعاذ به غير المستعاذ منه، وأما استعاذته –ﷺ- به منه فباعتبارين مختلفين فغن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد والمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف بهما منه وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى، وبيده وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه المقدسة أو أطلقها رسوله –ﷺ- وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويًا على غيره فهو سبحانه فوق عباده مستوٍ على عرشه وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى وجناية
[ ١٣٣ ]
على ألفاظ الوحي أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك مركبًا مؤلفًا مشبهًا بغيره وتسميتكم هذه الصفات وتركيبها وتشبيهًا، فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ألفاظًا منكم بدأت وإليكم تعود وأما أخطاؤكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء لم يره فسأل عنه فقيل له مانع رقيق يشبه القذرة يتقيؤها الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر منه بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزد هذا التعريف عنده إلا محبة ورغبة فيه ولله در القائل:
تقول هذا جناء العسل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
وأشد ما جادل به أعداء الرسول من التنفير عنه هو سوء التعبير عما جاء به وضرب الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين توصلت إلى قلوبهم فنفرت عنه وأكثر العقول كما عهدت يقبل القول بعبارة، ويردها بعبارة أخرى وكذلك إذا قال الفرعوني: لو كان فوق السماوات رب وعلى العرش إله كان مركبًا قيل له لفظ المركب في اللغة هو الذي ركبه غيره في محله لقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ وقولهم ركبت الخشبة والباب أو ما يركب من أخلاط وأجزاء بحيث كانت أجزاء متفرقة فاجتمعت وركبت حتى صارت شيئًا واحدًا كقولهم ركبت الدواء من كذا وكذا فإن أردتم بقولكم لو كان فوق العرش كان مركبًا هذا التركيب المعهود وأنه كان متفرقًا فاجتمع فهو كذب وفرية وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل وإن أدرتم أنه لو كان فوق العرش لكان
[ ١٣٤ ]
عاليًا على خلقه بائنًا من مخلوقاته مستويًا على عرشه ليس فوقه شيء فهذا المعنى حق فكأنك قلت لو كان فوق العرش لكان فوق العرش، فنفيت الشيء بنفسه بتغيير العبارة عنه وقلبها إلى عبارة أخرى وهذا شأنكم في أكثر مطالبكم وإن أردت بقولك كان مركبًا يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات يتميز بعضها عن بعض فهل كان عندك هذا تركيبًا فإن قلت هذا لا يقال وإنما يقال لمن أثبت شيئًا من الصفات، وأما أنا فلا أثبت له صفة واحدة فرارًا من التركيب قيل لك العقل لم يدل على نفي المعنى الذي سميته أنت مركبًا وقد دل الوحي والعقل والنظر على ثبوته أتنفيه لمجرد تسميتك الباطلة؟ فإن التركيب يطلق ويراد به خمسة معان. الأول تركيب الذات من الوجود والماهية عند من يحمل وجودها زائدًا على ماهيتها فإذا نفيت هذا التركيب جعلته وجودًا مطلقًا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الخارج والأعيان. الثاني تركيب الماهية من الذات والصفات، فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتًا مجردة من كل وصف لا يبصر ولا يسمع ولا يعلم ولا يقدر ولا يدبر ولا حياة ولا مشيئة ولا صفة له أصلًا فكل ذات في المخلوقات أولى من هذه الذات فاستفدت بنفي هذا التركيب الجسيمة كفر بالله وجحدك لذاته وصفاته، وأفعاله. الثالث تركيب الماهية الجسيمة من الهيولي والصورة كما يقول الفلاسفة. الرابع تركيبها من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام.
الخامس: تركيب الماهية من أجزاء متفرقة اجتمعت وركبت، فإن أردت بقولك لو كان فوق العرش لكان مركبًا كما يدعيه الفلاسفة والمتكلمون، قيل لك جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة من هذا ولا من هذا، فلو كان فوق العرش جسم مخلوق محدث لم يلزم أن يكون مركبًا
[ ١٣٥ ]
بهذا الاعتبار، فكيف يلزم ذلك في حق خالق المركب الذي يجمع المفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاءون والعقل إنما دل على إثبات الله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة ولا وجه ولا يدين ولا هو فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه كما هي كذب صريح على الوحي، وكذلك تنزيهه عن الجهة إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف بالمظروف، فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى، ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى، وإن أردتم بالجهة أمرًا يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، فنفيكم لهذا المعنى باطل وتسميته جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة، فسميتم ما فوق العالم جهة، وقلتم منزه عن الجهات، وسميتم العرش حيزًا، وقليتم ليس بمتحيز، وسميتم الصفات أعراضًا، وقلتم الرب منزه عن قيام الأعراض به، وسميتم حكمه غرضًا، وقلتم الرب منزه عن الأغراض، وسميتم كلامه بمشيئته ونزله إلى سمائه الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء وإرادته المقارنة لمرادها وإدراكه المقارن لوجود المدرك وغضبه إذا عصي ورضاه إذا أطيع وفرحه إذا تاب إليه العباد، ونداه موسى حين أتى الشجرة ونداه للأبوين حين أكلا من الشجرة ونداه لعباده يوم القيامة ومحبته لمن يبغضه حال كفره ثم صار بحبه بعد إيمانه وربوبيته التي شملت كل مخلوق وكل يوم هو في شأن حوادث، وقلتم هو منزه عن حلول الحوادث وحقيقة هذا التنزيه أنه منزه عن الوجود وعن الماهية وعن الربوبية وعن الملك وعن كونه فعالًا لما يريد، بل
[ ١٣٦ ]
من الحياة والقيومية، فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النفاة بقولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا مركب، ولا تقوم به الأعراض، ولا يوصف بالأبعاض، ولا يعقل بالأعراض، ولا تحله الحوادث، ولا تحيط به الجهات، ولا يقال في حقه أين وليس بمتحيز. كيف كسوا حقائق أسمائه وصفاته وعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه وتكليمه لخلقه ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته، نحو هذه الألفاظ، ثم توسلوا إلى نفيها بواسطتها وكفروا وضللوا من أثبتها واستحلوا منه ما لم يستحلوه من أعداء الله، اليهود والنصارى، فالله الموعد وإليه التحاكم وبين يديه التخاصم، نحن وإيماهم نموت ولا أفلح يوم الحساب من ندم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. انتهى من الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لشمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى-.
وأما قوله: ولهم مطاعن بالرسل والأنبياء والأولياء تنفر منها النفوس.
فأقول: لو ذكر هذه المطاعن لأمكن الجواب عنها، ولكن لا يخلو إما أن تكون مما ظنوا أنه من المطاعن والمثالب وهو في الحقيقة عند ذوي الإيمان بالله ورسله من الفضائل والمناقب، وإما أن تكون من الأوضاع والأكاذيب التي وضعوها ولفقوها من عند أنفسهم ظلمًا وعدوانًا وما هي من الظالمين ببعيد.
وأما قوله: وفي مدة تسلطهم على الحرمين نبشوا قبور آل البيت والصحابة ودثروها وقالوا أن لا فرق بين الرسل والأنبياء وسائر الناس، بل كل رسول ونبي كسائر الناس. انتهى كلام الشيخ.
فالجواب: أن نقول: أما نبش قبور آل البيت والصحابة وتدثيرها فلا أصل له، وإنما هدموا بيت السيدة خديجة وقبة المولد وبعض الزوايا المنسوبة
[ ١٣٧ ]
لبعض الأولياء حسمًا لمادة الشرك وتنفيرًا عن الوقوع فيه ما أمكن، لعظمة شأنه فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد إلى الله تعالى إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية فالهدم إنما وقع على القباب ولم ينبشوا من قبور آل البيت ولا غيرهم من قبور الأولياء والصالحين، واحدًا، ولكن هذه عادة أعداء الله ورسوله يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون. ثم إن هذا الملحد لما فرع من نقل ما ذكره إمام كفرهم وضلالهم أخذ يفرع عليه ويقرر ما ذهب إليه طاغيتهم من الأكاذيب والهذيان، ولكن زاد عليه هذا بالوقاحة والطغيان وتحذير من يعلم بحقيقة الحال عن الدخول في زمرة أهل الإيمان وحملة السنة والقرآن، ليزرع في قلوبهم عداوة أهل الإيمان بما لفقه من هذه المخرقة وصريح الكفر والزندقة، وبالكلام على ما ذكرهم إمامهم من التأصيل يبطل ما ذكره هذا الملحد من التفريع والتذييل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولنختم الكلام على ما ذكره هذا المعترض من الأكاذيب الموضوعة على الشيخ بما ذكره الشيخ الإمام ملا عمران، نزيل لنجة، جوابًا لمن اعترض على الشيخ بنحو من هذه الأكاذيب الموضوعة والترهات المصنوعة، فقال –رحمه الله تعالى-:
جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي في سب دين الهاشمي محمد
قد زخرفوها للعوام بقولهم إن الكتاب هو الهدى فيه اقتد
لو أن ناظمها تمسك بالذي قد قال فيها أولًا إذ يبتدي
لهدي ووفق ثم حاز سعادة لا شك فيها عند كل موحد
[ ١٣٨ ]
لكنه قد زاغ عما قاله متأولًا فيها بتأويل ردي
فأنت كشهد فيه سم ناقع من ذاق منه ففي الهلاك المبعد
إذ شبه الشيخ الإمام المهتدي بأخي مسيلمة الكفور المعتدي
فهو الذي إن مات معتقدًا بذا يا ويله ماذا يلاقي في غد
ماذا يجيب وما يقول ومن له يوم القيامة وهو خصم محمد؟
قد شبه التوحيد بالكفر الذي شهد الكتاب به وسنة أحمد
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجًا وشمسان ومن ضاهاهما من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة ويؤملون كذاك أخذًا باليد
ورأى لعباد القبور تقربًا بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأشياخ ما شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله من كان يذبح للقبور ويفتدي
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنصح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا تعبدوا إلا المهيمن ذا الجلال السرمد
لا تشركوا ملكًا ولا من مرسل كلا ولا من صالح أو سيد
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا إلا عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضًا ولا أجدادنا أهل الحجى والسؤدد
إنا وجدنا جملة الآباء على هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من أهل الزمان اشتد عليه غير مقلد
ناداهمو يا قوم كيف جعلتم لله أندادًا بغير تعدد
قالوا له بل إن قلبك مظلم لم تعتقد في صالح متعبد
[ ١٣٩ ]
قد عيروه بأنه قد كان في وادي حنيفة دار من لم يسعد
قلنا لهم ما ضر مصر بأنها كانت لفرعون الشقي الأطرد
وكذا النماردة الفراعنة الأولى كانوا بأرض الله أهل تردد
ذا قال أنا رب وذا متنبئ هم في بلاد الله أهل تردد
يمنًا وشامًا والعراق ومصرها من كل طاغ في البرية مفسد
فبموتهم طابت وطار غبارها وزهت بتوحيد الغله المفرد
إن المواطن لم تشرف ساكنًا فيها ولا تهديه إن لم يهتد
من كان لله الكريم موحد لو مات في جوف الكنيف المرد
وبعكسه من كان يشرك فهو لم يفلح ولو قد مات وسط المسجد
خرج النبي المصطفى من مكة وبقي أبو جهل الذي لم يهتد
إن الأماكن لا تقدس أهلها إن لم يكونوا قائمين على الهدى
لو أنصفوا لرأوا له فضلًا على إظهار ما قد ضيعوه من اليد
ودعوا له بالخير بعد مماته ليكافئوه على وفاق المرشد
لكنهم قد عاندوا وتكبروا ومشوا على منهاج قوم حسد
ورموه بالبهتان والإفك الذي هم يعملون به ومنهم ييبتدي
كمقالهم هو للمتابع قاطع بدخول جنات وحور خرد
حاشا وكلا ليس هذا شأنه بل إنه يرجو بها لموحد
قالوا له أشقى الورى مع كونه ينهي عن الأنداد للمتفرد
قالوا له يا سالكًا طرق الردى لم لا تسير على الطريق الأرشد
وهمو يرون الشمس ظاهرة لهم لن أعمى القلب ليس بمهتد
قالوا له يا كافرًا يا فاجرًا ما ضره قول العداة الحسد
[ ١٤٠ ]
قالت قريش قبلهم للمصطفى ذا سحر ذا كاهن ذا معتدي
قد اتهموه بأنه يحتال في تأذينه ليجئ أهل المسجد
فإذا أتوا قتلوا بغير جناية تالله هذا إفك أفاك ردي
قالوا يعم المسلمين جميعهم بالكفر قلنا ليس ذا بمؤكد
بل كل من جعل العديل لربه ونهى فصد فذاك كالمتهود
قالوا له غشاش أمة أحمد وهو النصيح بكل وجه يبتدي
هل قال إلا وحدوا رب السما وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضاء ولا تنطعوا بزيادة وتردد
هذا الذي جعلوه غشًا وهو قد نطقت به الرسل الكرام لمن هدي
من عهد آدم ثم نوح هكذا تترى إلى عهد النبي محمد
وكذلك الخلفاء بعد نبيهم والتابعون وكل حبر مهتدي
منهاجهم هذا عليه تمسكوا من كان مستنًا بهم فليقتد
عجبًا لمن يتلو الكتاب ويدعي علم الحديث مسلسلًا في المسند
ويقول للتوحيد غشًا أن ذا خطر على من قال فليتشهد
ويجدد الإسلام والإيمان معتقدًا بأن الشيخ خير مجدد
ما ذنبه في الناس إلا أنه هدم القباب وتلك سيرة أحمد
ما صح عند ثقيف لما عاهدوا إلا بهدم اللات لو لم يعبد
ما اللات إلا كان عبدًا صالحًا لت السويق لطائف متعبد
لما توفي عظموا لضريحه كصنيع عباد القبور النكد
إذ كان حيًا قادرًا قاموا بإطعام له وبكسوة وتفقد
وإذا توارى عنهمو في قبره جعلوه ندًا للإله السيد
[ ١٤١ ]
ولقد رأى الفاروق يومًا قبة نصبت على قبر تشد بأعمد
فأشار نحوها دعوه يظله عمل له إن لم يكن عمل ردي
وحديث أبي الهياج فيه كفاية لذوي البصائر والعقول النقد
في طمس تمثال وقبر مشرف جاء الحديث به صحيح المسند
لما نفى الإطراء عنهم والغلو قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد
لو كان حبك للنبي محقق لفعلت فعلتنا لعلك تهتدي
أما الدلائل فهو لم ينكر بها صلوات أزكى العالمين الأمجد
إلا التظاهر بالغلو وجعلها درسًا يكرر في كتاب مفرد
فترى لهم حرصًا على تجويدها خطًا وتزويقًا وحسن محلد
لا يعتنون بمصحف لهم كما هم يعتنون براتب وبمولد
لكفاه كل مؤونة وتكلف ومشى على النهج القويم الأرشد
سأل النبي من الصحابة سائل كيف الصلاة عليك كالمسترشد؟
فأجاب يرشده بما قد جاء في قول المصلي دبر كل تشهد
لوحت فيه ولم أصرح حيث لم يدخل على وزن القريض المنشد
هذا الكلام على الدلائل ليس ما قد قاله من شذ عن ذا المقصد
وكذا في روض الرياحين الذي فيها الغلو بصالح وبسيد
والله قد ذم الغلو فقال يا أهل الكتاب بغلظة وتهدد
إذ قال لا تغلو بنهي لازم في دينكم في الحكم لم يتردد
عجبًا لهم لو كان فيهم منصف لرأي المحب محمدًا لمحمد
[ ١٤٢ ]
من حيث إن الاتباع مقارن للحب في نص الكتاب الأمجد
قالوا صبأتم قلنا لهم الحق شمس للبصير المهتدي
ما بيننا نسب نميل له ولا حسب يقربنا له بتودد
أيضًا ولا هو جارنا الأدنى الذي تمتاز نعمته ولم نسترفد
لكنها شمس الظهيرة قد بدت لذوي البصائر فاهتدى من يهتدي
فالعالمون العاملون المنصفون له أقروا بالفضائل واليد
لكن قليل منهموا في عصرنا كالشعرة البيضا يجلد أسود
والله قد ذم الكثير وقال في حق القليل مقالة لم تجحد
بسبأ، وص فاتلها متدبرًا تلق الصحيح بها فخذه تهتد
فإن اعتراكم في الذي قد قاله شك وريب واختلاف يبتدي
فزنوا بميزان الشريعة قوله تجدوه حقًا ظاهرًا للمقتدي
ولئن وجدتم فاسقًا أو جافيًا أو جاهلًا في العلم كالمتردد
قد زل يومًا أو هفا لا تنسبوا هفواته لجناب ذاك المرشد
فالآل والأصحاب ماذا ضرهم من بعدهم تكدير صافي المورد
من بعد ذاك الاجتماع على الهدى ظهروا ذوي فرق وأهل تبدد
ماذا يضر السحب نبح الكلب أم ماذا يضر الصحب سب الملحد
ثم الصلاة على النبي محمد أزكى الورى أصلًا وأطيب محتد
والآل والأصحاب جمعًا كلما قد ذب عن ذا الدين كل موحد
[ ١٤٣ ]