قال الملحد: المسألة الثانية في التوسل والزيارة ثم ذكر مخرقة لا فائدة في الجواب عنها، ثم قال: وقد يرمي الإنسان في شرك الشرك من طريق الطاعة كما رمى الوهابين وإخوانهم بإغوائهم على أن التوسل بجباه الرسول ﵊ وزيارة قبره الشريف شرك بالله ومناف للتوحيد وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين فذهب بأيمانهم تحت ستار العبادة وغرس في قلوبهم بغض رسول الله ومعاداته بتعطيل الطاعة ففسروا الزيارة بمعاني عبادة الأوثان وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم، فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شر، لأنهم يزورون الأمراء والحكام ويتزلفون إليهم ويتوسلون ببعضهم في حوائجهم بكل قول وعمل وربما خاب أملهم بما يرجون إلى آخر كلامه. والجواب: ومن الله استمد الصواب، أن يقال لهذا الملحد الضال المضل الذي ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فوقع في شرك الشرك العظيم ونهج منه المنهج الوخيم وسلك في طريق أصحاب الجحيم ونكب عن طريقة أهل الدين القويم والصراط المستقيم فبعدا للقوم الظالمين: قد كان من المعلوم أن الوهابية لا يقولون أن التوسل بذات النبي ﷺ وجاهه وحقه وزيارة قبره الشريف شرك بالله بل هذا من الكذب الموضوع على الوهابية وهم، ولله الحمد، فيما يقولونه وينتحلون على صراط مستقيم ولا يقولون بجهل الجاهلين وانتحال المبطلين الزائغين عن الدين القويم بل يقولون إن التوسل بجاه النبي –ﷺ- من البدع المحرمة المحدثة في الإسلام لأنه لم يرد نص عن رسول الله –ﷺ- ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا من بعدهم من سلف الأمة وأئمتها المهتدين
[ ١٨٠ ]
وإذا كان ذلك كذلك فنقول لفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال بما فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا أو لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به فيكون بالتسبب إما بحجة السائل له وأتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته ويراد به الأقسام به والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا بشيء عنه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو بمجرد الأقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب وقد يراد به الأقسام إذا تبين لك هذا فأعلم أن معنى التوسل في لغة الصحابة ﵃ وعرفهم أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه به في الحقيقة بدعائه وشفاعته وهذا لا محذور فيه بل هذا هو المشروع كما في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار وهو حديث مشهور في الصحيحين، فإنهم توسلوا إلى الله بصالح الأعمال لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله تعالى ويتوجه به إليه ويسأله به لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، وقال ربكم أدعوني أستجب لكم، وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به من العمل الصالح وسؤاله والتضرع إليه فمن جعل دعاء الأولياء والصالحين سببا لنيل المقصود كان يطلب من الولي والصالح في حال الحياة أن يدعو الله له لكونه مطيعا لله محبا له فيشفع له عند الله بدعاء الله له فهذا حق، فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون إلى الله سبحانه برسوله فيدعو لهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ "اللهم إنا كنا إذا اجد بنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فاستسقوا به" كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ
[ ١٨١ ]
في حياته وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يقسمون على الله بمخلوق كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، فإذا تحققت ذلك فاعلم أن التوسل في عرف أهل هذا الزمان من عباد القبور واصطلاحهم هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين وصرف خالص حق الله تعالى بجميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والالتجاء إليهم والاستغاثة بهم والاستعانة والاستشفاع بهم وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات لكشف الكربات وإغاثة اللهفات ومعافات أولي العاهات والبليات إلى غير ذلك من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسموات، فمن صرف من هذه الأنواع شيئا لغير الله كان مشركا فهذا هو الذي تكره الوهابية ويقولون أنه شرك بالله ومناف للتوحيد وبذلك قال أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها، وأما زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع فالوهابية لا ينكرونها بل هي من أفضل الأعمال وإنما ينكرون شد الرحال إلى ذلك لقوله ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" وأما قوله: وغرس في قلوبهم بغض الرسول ومعاداته إلى آخره، فالجواب أن يقال: ليس في اتباع ما أمر الله به ورسوله من طاعته وطاعة رسوله واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله وحذر أمته من ذلك ما يوجب البغض للنبي –ﷺ- معاداته بل ذلك عين تعظيم الله ورسوله وتعظيم اتباعه كما ذكر ذلك أهل العلم في كل مصنف وكتاب قال شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- ونور ضريحه في الجواب الباهر. الوجه الثالث: أن يقال لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين ولا يقصدون الدعاء لهم
[ ١٨٢ ]
كالصلاة على جنائزهم بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله ومقصودهم دعاؤهم والدعاء بهم أو عندهم طلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى، ولهذا يقولون: إن من نهى عن ذلك فقد تنقص بهم، فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد والقصد والظن، والنصار يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل ولأجل من بنيت لأجله كما يحجون إلى موضع قبر المسيح عندهم الكنيسة التي يقال إنها بنيت على قبره موضع الصلب بزعمهم، وهم يبنون الكنائس على من يعظمونه مثل جرجس وغيره، فيتخذون المعابد على القبور على القبور ممن لعنهم النبي –ﷺ- على ذلك تحذيرًا لأمته وقال لأمته "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" رواهن مسلم، والكنيسة التي بنيت موضع ولادته المسماة بيت لحم وكنائس أخر التي يسمونها القيامة وكان صاحب الفيل قد بني كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة إليها فدخلها وبعض العرب وأحدث فيها فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل الله به ما فعل، وكذلك كان بالطائف "اللات" وكانوا يحجون إليه وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد أظل زمان نبي يبعث من العرب طمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه وقال له ذلك العالم: أنه من أهل بيت تحجه العرب، فقال: إنا معشر ثقيف فينا بيت تحجه العرب قال إنه ليس منكم إنه من إخوانكم من قريش وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الَّلاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الْثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتِيْنِ عَظِيمٌ﴾ وآخر غزوات النبي
[ ١٨٣ ]
-ﷺ- من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها ثم إن أهلها أسلموا وطلبوا من النبي أن يمنعهم باللات حولًا فامتنع من ذلك وهدمها وأمر ببناء المسجد موضعها واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذا معروف عند أهل العلم، والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجًا ويقولون إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة وكانوا يحجون إلى "العزى" وكانت عند "عرفات" ويحجون إلى مناة الثالثة الأخرى وهي حذو "قديد" فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه، فاللات بالطائف، والعزى عند مكة، ومناة لأهل المدينة، كانوا يهلون لها، وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله يقول هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم فهم يتوسلون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص الملوك لمن يكون بعيدًا عنهم، وقد ينذرون لهم أو يأتي بقربان بلا نذر ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي، ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم ومنهم من يسيب لهم السوائب فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم فهذا صنف وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه أو التعظيم والخضوع له فيجعلون السفر على قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيًا ويجدون بذلك أنسًا في قلوبهم وطمأنينة وراحة كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه كما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه لكن ذاك
[ ١٨٤ ]
حب وتعظيم ديني فهو أعظم تأثيرًا في النفوس ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل وكثير من أتباع المشائخ والأئمة لا يجد عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء لا نبيًا ولا غيره، وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور بل سببه ما قام بنفوسهم من حبه وتعظيمه وإن كان هو لا يستحق ذلك، بل قد يكون المزور كافرًا مشركًا أو كتابيًا، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك وهذا كما أن عباد الأوثان الذين جعلوهم أندادًا يحبونهم كحب الله يجدون عند الأوثان مثل ذلك، وكذلك عباد العجل، قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي حب العجل، هذا قول الأكثرين وموسى حرقه ثم نسفه فإنه كان قد صار لحمًا وقيل بل أشربوا برادته التي كانت في الماء، وأن موسى برده لكونه كان ذهبًا والأول عليه الجمهور وهو أصح، وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن عندهم حبًا لذلك، فأجاب السائل: بأن ذلك كقوله: ﴿وَمِنَ الْنَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًَا يُحِبُونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًَا للهِ﴾ وقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه أي يجعل ما يألهه ويعبد ما يهواه فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده، ولهذا ينتقل من آله إلى أله كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب إذا كان لم يحب بعلم، وهذا ما يستحق أن يحب ولا عبد من يستحق أن يعبد بل أحب وعبد ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا كتاب منزله، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ذلك الكافر اتخذ
[ ١٨٥ ]
دينه بغير هدى من الله ولا برهان، وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه ورماه وعبد الآخر، قال الحسن البصري: ذاك المنافق نصب هواه فما هوى من شيء ركبه، وقال قتادة: أي والله كلما هوي شيئًا وكلما اشتهى شيئًا أتاه لا يحجزهن عن ذلك ورع ولا تقوى رواهن ابن أبي حاتم وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكُرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوْا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿بِغَيْرِ هُدَىً من الله﴾ وقال تعالى عن المشركين: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، إلى قوله ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ فالذين يحجون إلى القبور من جنس الذين يحجون إلى الأوثان، والمشركون كان يدعون مع الله آلهًا آخر يدعونه كما يدعون الله وأهل التوحيد لا يدعون إلا الله لا يدعون مع الله إلهًا آخر لا دعاء سؤال وطلب ولا دعاء عبادة وتأله والمشركون يقصدون هذا وهذا وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا وهذا ومنهم من يصور مثال الميت ويجعل ذلك دعاءه ومحبته والأنس به قائمًا مقام صاحب الصورة سواء كان نبيًا أو رجلًا صالحًا أو غير صالح، وقد يصور المثال له أيضًا كما يفعل النصارى، وكثيرًا ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح ولا يكون ذلك قبره بل قبر غيره أو لا يكون قبرًا وربما كان قبر كافر يحسنون الظن بمن يظنونه رجلًا صالحًا وليًا لله ويكون كافرًا أو فاجرًا كما يوجد عند المشركين وأهل الكتاب وبعض الضلال من أهل القبلة وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول لا إباحة ولا ندبًا ولا استحبه أحد عن أئمة الدين بل هم متفقون على النهي عن هذا الجنس كله؛ وقد لعن رسول الله
[ ١٨٦ ]
-ﷺ- في الأحاديث الصحيحة المستفيضة ما هو أقرب من هؤلاء وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وأخبر أن من كان من قبلنا كانوا يتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وقال: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" فإذا كان قد نهى ولعن من يتخذها مسجدًا يعبد الله فيه ويدعي لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق صاحب القبر وعبادته فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته ونهى عن اتخاذها مساجد لئلا يفضي ذلك إليه فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي وهذا كما أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وقال: "فإنها تطلع بين قرني شيطان" وحيئنذٍ يسجد لها الكفار ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس لكن نهتى عتن المشابهة في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها كان أحق بالذم والنهي والعقاب، ولهذا يكون هذا كافرًا كذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله هو أيضًا مشرك والذي فعله كفر لكن قد لا يكون عالمًا بأن هذا شرك محرم كما أن كثيرًا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره وهم يتقربون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضًا ولا يعلمون أن ذلك محرم فكثيرا من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك فهذا ضال عمله وعلمه الذي أشرك فيه باطل لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوْا لِلهِ أَنْدَادًَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي –ﷺ- أنه قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف ننجو منه
[ ١٨٧ ]
قال: "قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" وكذلك كثير من الداخلين في الإسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض الأئمة والشيوخ أفضل من الحج أو مثله ولا يعلمون أن ذلك محرم ولا يجوز وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع والمقصود هنا أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور وسائط يشركون بهم كما يشركون أصحاب الأوثان بأوثانهم يدعونهم ويستغيثون بهم ويرجونهم ويخافونهم وقد جعلوهم أندادًا يحبونهم كحب الله هم الذي يقولون لمن نهى عن هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده أنه تنقصهم وعاداهم وعاندهم كما يزعم النصارى أن من جعل المسيح عبدًا لله لا يملك ضرًا ولا نفعًا أنه قد تنقص المسيح وعاداه وسبه وعانده وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن هذا الشرك فأطاعهم واتبع سبيلهم وعبد الله وحده فهذا يمتنع أن يقول هذا تنقص ومعاداة فهذا الفرقان الذي يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان والأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين وقد ثبت في الصحيحين عن أنس عن النبي –ﷺ- أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي –ﷺ- أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم الحديث" وفي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي –ﷺ- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب –﵁- فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي –ﷺ-: "لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي –ﷺ-: "الآن يا عمر" وفي الصحيحين عن أنس عن النبي –ﷺ- قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه
[ ١٨٨ ]
مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" وفي بعض طرق البخاري "لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا الله" وذكر الحديث وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ الآية ومحبة الرسول هي من محبة الله فهي حب لله وفي الله ليست محبة ومحبوب مع الله كالذين قال الله فيهم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث وحب ند مع الله شرك لا يغفره الله فأين هذا من هذا والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا يختص ببقعة لا تختص بقبورهم ولا غيرها وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك فغن ذلك واجب في كل موضع وكذلك الصلاة والسلام على الرسول وغير ذلك فمن يجد قلبه عند الرسول أكثر محبة له وتعظيمًا ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليمًا مما يجده في سائر المواضع كان ذلك دليلًا على أنه ناقص الحظ مبخوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه وقد نهى أن يتخذ عيدًا ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنًا فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل لكان ناقص الحظ من الدين وكما الدين واليقين فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج فهذا هذا والله أعلم.
والوجه الرابع: أن يقال عداوة الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا بموافقتهم
[ ١٨٩ ]
كمن نهى عما أمروا به من عبادة الله وحده وأمر بما نهوا عنه من الشرك بالمخلوقات كلها بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل المصورة لهؤلاء وغير ذلك ومن كذبهم فيما أخبروا به من إرسال الله لهم وما أخبروا به عن الله من أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه وما أبخروا به من الجنة والنار والوعد والوعيد فلا ريب أن من كذب ما أخبروا به ونهى عما أمروا به وأمر بما نهوا عنه فقد عاداهم وعاندهم وأما من صدقهم فيما أخبروا به وأطاعهم فيما أمروا به فهذا هو المؤمن ولي الله الذي والاهم واتبعهم وإذا كان كذلك فننظر فيما جاء عن نبينا محمد –ﷺ- وغيره من الأنبياء إن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون لزيارتها يدعونها ويستغيثون بها ويطلبون منها الحوائج ويتضرعون لها أي لأصحابها ويرون السفر إليها من جنس الحج أو فوق أو قريب منه فمن نهى عما أمر به الرسول ورغب فيه يكون مخالفًا له وقد يكون بعد ظهور قوله إصراره على مخالفته معاديًا ومعاندًا كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك ولكن شرع السفر إلى المساجد الثلاثة، وقال: "لا تشد الرحال إلى إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي ومسجد هذا، والمسجد الأقصى"، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك وهو أهون من الحج إليها ومن دعا أصحابها من دون الله فإن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء دون ذاك فالممخالف للرسول الأمر بما نهى عنه من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة الأمر بالسفر إلى زيارة القبور قبور الأنبياء والصالحين وهذا السفر قد علم أنه من جنس الحج وعلم أن أصحابه يقصدون به الشرك أعظم مما يقصد الذين يتخذون القبور مساجد الذي لا ينهى عما نهى عنه الرسول من اتخاذ القبور مساجد واتخاذها عيدًا وأوثانًا المعادي لمن
[ ١٩٠ ]
وافق الرسول فأمر بما أمر ونهى عما نهى المكفر لمن وافق الرسول المستحل دمه وهو أحق بأن يكون معاديًا للرسول معاندًا له مجاهرًا بعداوة أولياء الرسول وحزبه ومن كان كذلك كان هو المستحق لجهاده وعقوبته بعد إقامة الحجة عليه وبيان ما جاء به الرسول دون الموافق للرسول الناصر لسنته وشريعته وما بعثه الله به من الإسلام والقرآن ولكن هذا من جنس أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويعادون من خالفها وينسبونها إلى الرسول افتراءً وجهلًا كالرافضة الذين يقولون إن المهاجرين والأنصار عادوا الرسول وارتدوا عن دينه وأنهم هم أولياء الله والخوارج المارقين الذيبن يدعون أن عثمان وعليًا ومن والاهما كفار بالقرآن الذي جاء به الرسول ويستحلون دماء المسلمين بهذا الضلال ولهذا أمر النبي –ﷺ- بقتالهم وأخبر بما سيكون منهم وقال فيهم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله، وقال لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد" والأحاديث فيهم كثيرة وعظم ذنبهم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وإلا فلا لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة أمثالهم من أهل الخطأ والضلال ومعلوم أن الشرك بالله وعبادة ما سواه أعظم الذنوب والدعاء إليه والأمر به من أعظم الخطايا ومعاداة من ينهي عنه ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من معاداة من هو دونه ولولا بعد عهد الناس بأول الإسلام وحال المهاجرين والأنصار ونقص العلم وظهور الجمل واشتباه الأمر على كثير من الناس لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة أعظم مما يظهر ضلال الخوارج والرافضة فإن أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة وخفي
[ ١٩١ ]
عليهم بعض السنة اللهم إلا من كان منافقًا زنديقًا في الباطن مثل بعض الرافضة ويقال إن أول من ابتدعه كان منافقًا زنديقًا فإن قال هؤلاء من جنس أمثالهم من الزنادقة والمنافقين بخلاف الخوارك فإنهم لم يكونوا زنادقة منافقين بل كان قصدهم اتباع القرآن لكن لم يكونوا يفهمونه كما قال فيهم النبي –ﷺ- يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجدًا وأعيادًا فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها وإنما تحدث أولًا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج ومع هذا فقد جاءت الأحاديث الصحيحة فيهم بذممهم وعقابهم وأجمع الصحابة على ذلك، قال الإمام أحمد: صح فهم الحديث من عشرة أوجه وقد رواها صاحبه مسلم كلها في صحيحه وروى البخاري قطعة منها وأما بدع أهل الشرك وعباد القبور والحجاج إليهم فهذا ما كان يظهر في القرون الثلاثة لكل أحد مخالفة لرسول فلم يتجرأ أحد أن يظهر ذلك في القرون الثلاثة وبسط هذا له موضع آخر ولكنها نبهنا على ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا المعترض وأمثاله من الضلال والحمل ومعاداة سنة الرسول ومتبعيها وموالاة أعداء الرسول وغير ذلك مما يبعدهم عن الله ورسوله ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب منها وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة فإن هذا حكم أهل الضلال وهو البعد عن الصراط المستقيم وما يستحقه أهله من الكرامة ثم قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته وما يلحقه في الدنيا
[ ١٩٢ ]
والآخرة من انخفاض منزلته وسقوطه حرمته وانحطاط درجة جزائه والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة وهو عليم حكيم لطيف لما يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون. انتهى.
فرد من كلام الشيخ أعذب منهل وذقة تجد طعمًا ألذ من الشهد
يريك صراطًا مستقيمًا على الهدى وسالكه حقًا يسير على القصد
دلائله كالشمس تغدو شهيرة ولا تختفي إلا على الأعين الرمد
فخذ بكلام الشيخ إن كنت عالمًا محقًا وخذ بالعلم عن كل ذي نقد
ودع عنك تلفيقات كل مموه يصد عن الدين الحنيفي والرشد
ويسعى بأن لا يعبد الله وحده بإشراكهم بالله من كان في اللحد
ودعوتهم غير الإله لحاجة وكشف مهما تجل عن العد
وإن يتسغيث المشركون بغيره تعالى عن الإشراك والجعل للند
وكدحلان ذي الكفران والشرك والردى ويوسف من يدعى لنبهان ذي الجحد
وكالكسم من قد كان بالله مشركًا وأشباههم من كل غاو ومرتد
فليسوا على نهج من الحق والهدى ولكنهم عن مهيع الحق في بعد
أضلوا وأضلوا واستزلوا عن الهدى غرة طغاة معتدين ذي حقد
يعادون أهل الحق من حنق بهم وبغي وعدوان وظلم بلا حد
وقد صدقوا المعصوم في كل أمره وقد جانبوا من نهيه كل ما يردي
[ ١٩٣ ]
وغيرهموا في مهمه الغي والهوى غواة حيارى زائغين عن القصد
فأما ذوي الإسلام من أهل "نجدنا" واتباعهم من كل ندب وذي نقد
فقد سلكوا نهجًا من الدين واضحًا على سنة المعصوم أكمل من يهدي
فمن كان هذا شأنه وطريقه ونحلته في الدين من غير ماصد
يكون بهذا مبغضًا ومعاديًا ومستنقصًا للمصطفى الكامل لمجد
لعمري لقد أخطأتوا طرق الهدى وجانبتموها يا ذرى الغي والطرد
وعاديتموا الإسلام جهلًا يبغيكم وأحزابه من كل هاد ومستهدي
فتبًا لهاتيك العقول التي غوت وحادت عن التقوى وعن ميع الرشد
لقد نكرت دين النبي محمد وعادته جهرًا واجتراء على عمد
فظنوا غباء من سفاهة رأيهم بأنهم أهل الهدى وذو الجد
وأنهموا أولى بدين "محمد" وتلك الأماني لا تفيد ولا تجدي
وقد خرجوا عن منهج الحق والهدى إلى دين عباد القبور ذرى الطرد
فليس اتباع المصطفى يا ذوي الردى يكون معاداة وبغضًا لذي المجد
ولكنه عين الكمال لأنه على وفق ما قد قال في كل ما يبدي
وتعظيم أمر المصطفى باتباعه وترك الذي يأباه من كل ما يردي
فيأتي الذي يرضاه من كل مطلب وتجتنب المنهي إذ كان لا يجدي
فمن شد رحلًا للزيارة قاصدًا إلى قبره لا للصلاة على عمد
بمسجده الأسنى، فقد خالف الذي أراد به المعصوم في القصد بالشد
وخالف أقوال الأئمة كلهم وأقوال أصحاب النبي ذوي المجد
وعادى رسول الله بل كان مبغضًا لدين المصطفى خير من يهدي
[ ١٩٤ ]
ومن شد رحلًا قاصدًا بمسيره بمسجده الأسنى الصلاة ليستجدي
ويطلب غفرانًا من الله وحده وأجرًا وإحسانًا من المنعم المسدي
ومن بعد أن صلى يزور "محمدًا" فيدعو له لما هدانا إلى الرشد
ولا يدعه بل يذل الجهد في الثنا عليه بما أبدى من الخير والحمد
وإرشاد أهل الأرض بعد ضلالهم إلى كل ما يدني إلى جنة الخلد
فهذا هو المشروع وهو الذي أتى به النص عن أزكى الورى خير من يهدي
عليه صلاة الله ما انهل وابل وما هبت النكبا وقهقه من رعد
وأصحابه والآل مع كل تابع وتابعهم في الدين من كل مستهد
وأما قوله: "وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين".
فالجواب أن نقول: ليس الاستدلال بالقرآن غواء من الشيطان، ولكنه صينع أهل العلم من حملة السنة والقرآن، وأما كونه جاء في القرآن فنعم فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين ودعاهم مع الله واستغاث بهم كما يستغيث بالله وطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله وتعلق عليهم ولجأ إليهم في جميع مهماته ومسلماته، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل المشركون وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولكن إذا عميت قلوبكم عن معرفة الحق وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذى حذوهم فلا حيلة فيه، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا، ولم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
وأما قوله: "فذهب بإيمانهم تحت ستار العبادة".
[ ١٩٥ ]
وقوله: "معاذ الله ما هذا بالذي يذهب بالإيمان بل هو محض الإيمان بالله ورسوله وامتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه وذلك لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرة قلبه وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله منته وذلك لا يكون مبغضًا لرسول الله –ﷺ- ولا معاداة له، وإنما المبغض لرسول الله –ﷺ- والمعادي له من عصاه وخالف أمره وأشرك بالله في خالص حقه وإنما بعث النبي –ﷺ- لتكفير من فعل هذا وقتله واستحلال ماله ودمه وأن يكون الدين كله ولا يكون فيه شركة لأحد سواه ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
وأما قوله "ففسروا الزيارة بمعنى عبادة الأوثان وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم".
فأقول: نعم من زار قبور الأنبياء والأولياء والصالحين وفعل كما فعل مشركو العرب من دعائهم الأنبياء والأولياء والصالحين وما يفعلونه عند الأشجار كالعزى والأحجار كاللات ومناة الثالثة الأخرى واستغاث بهم كما استغاث المشركون بأوثانهم وطلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان وذبح لهم الذبائح ونذر لهم النذور كما كان يفعله المشركون عند تلك الأشجار والصخور وكما كان يفعله اليوم عباد القبور فهذا هو معنى عبادة الأوثان وما الفارق بين من فعل هذا وهذا إن كنتم تعلمون؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ .
وأما قوله: فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شركًا لأنهم يزورون الأمراء والحكام ويتزلفون إليهم ويتوسلون ببعضهم في حوائجهم بكل قول وعمل وربما خاب
[ ١٩٦ ]
أملهم بما يرجون".
فالجواب أن نقول: من نظر بعين البصيرة وجدهم من أهدى الناس وأرشدهم وأقربهم إلى الحق الذي بعث الله به نبيه محمد –ﷺ- وأنهم بذلك على الصراط المستقيم والدين القويم ووجدكم أشقى الخلق وأحمقهم وأبعدهم عن الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وأنكم بذلك على الكفر الوخيم والشرك الذميم الموافق لما عليه أصحاب الجحيم لا يمتري في ذلك من كان ذا قلب سليم وعقل مستقيم. وقوله: "ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شركًا لأنهم يزورون الأمراء والحكام" إلى آخره. فأقول هذا من أفسد القياس وأبطل الباطل وأمحل المحال وأضل الضلال فإن هذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل أو دين ويفرق بين دين المسلمين ودين المشركين وبين ما يجوز من الأسباب العادية وما لا يجوز من الأمور والأفعال الشركية فإن زيارة الأمراء والحكام والتزلف إليهم والتوسل ببعضهم في حوائجهم فيما كان بأيديهم وداخل تحت قدرتهم وملكهم وتصرفهم من الأمور الدنيوية التي لا يعجزون عنها وهي تحت مقدورهم وفي طوقهم ليس بشرك بل هو من الأسباب العادية التي أجرى الله نفع العباد بعضهم ببعض بها فإن ذلك كله مما لا نزاع في جوازه لدى الموحدين وقد ذكر ذلك أهل العلم في مصنفاتهم، قال الشيخ صنع الله الحلبي –رحمه الله تعالى-: "والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسبة في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة" انتهى. وهذا كما يقول الرجل لصاحبه في السفر أعني على حمل دابتي وعلى حمل متاعي وأعطني ما يرد علي هذا الشارد أو ادفع عني هذا السبع الصائل أو كمن يقول لبعض الأمراء والحكام
[ ١٩٧ ]
إذا وفد إليهم أعطني هذا أو تفضل علي بكذا مما هو اخل تحت قدرته ونحو ذلك فهذا جائز ولا نزاع فيه بين العلماء فإن هذا سؤال من حي حاضر قادر على ما ينفع به أخاه المسلم من الأمور الدنيوية ومن زعم أن هذا من الشرك المخرج من الملة فهو أضل من حمار أهله.
وأما قوله: "فماذا علينا إذا توسلنا بجاه من فضله الله على كل خلقه في طلب نعيم دائم ورضى كريم لا يمن ولا يمنع أو بقضاء حاجة دنيوية".
فالجواب أن يقال: نعم إن عليك من الإثم ما قد يستحقه من فعل أحد هذين الذنبين العظيمين فإن كان قصدك بالتوسل أنك تطلب من الله بجاه نبيه وبحرمته وحقه على الله أن يتفضل الله عليك بنعيم دائم ورضاء كريم لا يمن ولا يمنع أو بقضاء حاجة دنيوية فهذا التوسل بدعة مكروهة محرمة وعليك في ذلك إثم من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله ولا شرعه رسول الله –ﷺ- لأمته ولا فعله الصحابة والتابعون ولا الأئمة المهتدون وقد ذم العلماء البدع وأهلها وذكروا إثم من عمل بها أو سنها وأنهم ملعونون على لسان محمد –ﷺ- قال الإمام الحافظ محمد بن وضاح: أخبرنا غير واحد أن سد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: "اعلم يا أخي أن ما حملني على الكتاب إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس وحسن حالك مما أظهرت من السنة وعيبك لأهل البدع وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك عليهم عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم فأذلهم الله بك وصاروا ببدعتهم مستترين فأبشر يا أخي بثواب ذلك واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله، وقد قال رسول الله –ﷺ-: " من أحيا شيئًا من
[ ١٩٨ ]
سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين أصبعيه"، وقال: "أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة" فمتى يدك هذا أجر شيء من عمله؟ وذكر أيضًا أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا لله يذب عنها وينطق بعلامتها فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي –ﷺ- قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه قال: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من كذا وكذا" وعظم القول فيه فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكن لك بذلك إلفه وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر فاعمل على بصير ونية وحسبة فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر فتكون خلفًا عن نبيك –ﷺ- فإنك لن تلقى الله بعمل شبهه وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء في الأثر: من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام، وجاء: ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى، وقد وقعت اللعنة من رسول الله –ﷺ- على أهل البدع وأن الله لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا ولا فريضة ولا تطوعًا وكلما ازدادوا اجتهادًا وصومًا وصلاة ازدادوا من الله بعدًا فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله –ﷺ- وأئمة الهدى من بعده" انتهى. ثم قال محمد بن وضاح بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك، ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخل النار، وإما أن يقول والله ما أبالي بما تكلمون وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه، ثم ذكر
[ ١٩٩ ]
بإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام. انتهى وقد أخبر –ﷺ- أن أهل البدع هم شرار الخلق عند الله ولعن –ﷺ- وهو في السياق من فعل ذلك ففي الصحيحين عن عائشة –﵂- أن أم سلمة –﵂- ذكرت لرسول الله –ﷺ- كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح والعبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل ولهما عنها قالت لما نزل برسول الله –ﷺ- طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجاه وقال –ﷺ-: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أهل السنن، وإن كان قصدك –أيها الملحد- بالتوسل طلب النبي –ﷺ- ودعاؤه والاستغاثة به أن يتفضل عليك بنعيم دائم ورضاء كريم لا يمن ولا يمنع أو بقضاء حاجة دنيوية فهذا هو الشرك العظيم والذنب الجسيم الذي من أتى به فقد حرم الله عليه الجنة لأنه محض حق الله، ومن صرف ذلك لغير الله كان مشركًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية فمن استغاث بغير الله في طلب حاجة أو كشف كربة أو سأل من غيره نعيمًا دائمًا فهو مشرك كافر بالله بنص كتاب الله وسنة رسوله –ﷺ-، وكلام أهل الله بالعلم وبدينه وشرعه، قال شيخ الإسلام –﵀- في "الرسالة السنية" فإذا كان على عهد النبي –ﷺ- ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته
[ ٢٠٠ ]
العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام لأسباب منها الغلو في بعض المشائخ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح –﵇- فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول يا سيد فلان انصرني أو أغثني وارزقني أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله ﷾ إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له ولا يدعى معه إله والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ويقولون ﴿هَؤلَاء شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ﴾ فبعث الله سبحانه رسله تنهي عن أن يدعى من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى. وقال أيضًا: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا نقله عنه صاحب "الفروع" وصاحب "الإنصاف" وصاحب "الإقناع" وغيرهم وقال ابن القيم –﵀-: ومن أنواعه –يعني الشرك- طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسهنفعًا ولا ضرًا فضلًا عمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي –﵀- في رده على السبكي "قوله إن المبالغة في تعظيمه، أي الرسول –ﷺ- واجبة إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله
[ ٢٠١ ]
الضر والنفع وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من شاء فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين وفي "الفتاوى البزازية" من كتب الحنفية قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم الغيب يكفر، وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي –رحمه اله- في كتابه في الرد على من ادعى أن لأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وأنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم ويستغاث بهم في الشدائد والبيلات وبهمهم تكشف المهمات فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات مستدلين أن ذلك منهم كرامات وقالوا منهم أبدال ونقباء ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة والقطب والغوث للناس وعليه المدار بلا التباس وجوزوا لهم الذبائح والنذور وأثبتوا لهم فيهما الأجور قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق ومصادمة الكتاب العزيز المصدق ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنزيل ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ولله در الشيخ ملا عمران حيث وشح قول النصراني بهذه الأبيات الآتي ذكرها لما نفي النصراني الشركة في حقه فكيف بحق الله ﷾ قال النصراني:
تركت حبيب القلب لا عن ملالة ولكن جنا ذنبًا يؤول إلى الترك
أراد شريكًا في المحبة بيننا وإيمان قلبي لا يميل إلى الشرك
وذلك أنه كان له زوجه فاتخذت خدنًا فاطلع زوجها على ذلك ففارقها
[ ٢٠٢ ]
وأنشد البيتين المذكورين، فقال "ملا عمران" توشيحًا على كلامه:
إذا كان ذا المخلوق عن نفسه نفا شراكة ند في المحبة والصفا
وأعلن للمحبوب بالترك والجفا فكيف بأن يرضي إله قد اصطفا
له رسلًا تدعوا إليه بلا شك فهل كان أهل الشرك فيما تقدما
يرجون من أوثانهم مطر السماء ولم يجعلوا زرقًا لمن كان معدمًا
فما كان ذا منهم ولا بعضه كما أتى وحي رب العالمين بذا يحكي
ولكنهم يرجون منهم شفاعة تقربهم زلفى إليه وطاعة
وعند اشتداد الكرب حينًا وساعة يردون لله الرؤوس ضراعة
إليه يريدون النجاة من الهلك وبالعكس عباد القبور فإنهم
إذا اشتد خطب ساء في الله ظنهم وإن هاجت الأمواج ما زال فنهم
ينادون أصحاب القباب كأنهم يهلون في البيداء تلبية النسك
فلما أتى الشيخ الحكم منبهًا على الملة البيضاء بالنور والبها
وقال ذروا هذي القباب ومن بها وسنة خير الخلق منتصرًا بها
تلقوه بالبهتان والزور والإفك فقالوا بسب الصالحين ويعتدي
ويقدح فيهم وهو ليس بمهتدي وبالعلما في دينه غير مقتدي
ويطنب في تكفير كل موحد ويحكم في الإسلام بالنهب والسفك
فحاشاه مما يفترون عليه بل أتى نصاحًا يدعو إلى صالح العمل
يوحد ربًا قد تفرد في الأزل وينهى عن الشرك المؤدي إلى الزلل
[ ٢٠٣ ]
ومن محدثات العرب والعجم والترك وقد قال قول الحق محض صريحه
على علمهم أن قد أتى بصحيحه ولكنهم لم ينشقوا طيب ريحه
فيا رب نزل رحمة في ضريحه وأتحفه بالغفران يا مالك الملك
ويا من على العرش استوى سرمدًا وسلم على من جاء بالنور والهدى
وآل وصحب جاهدوا مصر العدا وبارك زد ما ناح طير وغردا
وما فاح نشر الورد والند والمسك
[ ٢٠٤ ]