قال السائل: المسألة الأولى: ما نكفر الذي يخرج من الملة والذي لا يخرج في قولهم: الكفر كفران وكذا الفسق فسقان؟
[ ٣١٠ ]
والجواب أن نقول: هذه المسألة قد أجاب عنها شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رسالته للخطيب وذكر ما ذكر شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى- في كتابه "الصلاة" فقال رحمه الله تعالى-: "الأصل الرابع: أن الكفر نوعان: كفر عمل وكفر جحود وعناد وهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله مجردًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له وهذا مضاد للإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وتقل النبي وسبه، وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهذا كفر لا كفر اعتقاد وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله: "من أتى كاهنًا أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد –ﷺ-" فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه وإن كان الكل يطلق عليه الكفر وقد سمى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل بالبعض مؤمنًا بما عمل كافرًا بما ترك العمل به قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه وهذا يدل على تصديقهم ببه وأخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقًا آخرين وأخرجوهم من ديارهم وهذا كفر بما أخذ عليهم ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب وكانوا مؤمنين بما أخذ عليهم في الكتاب وكانون مؤمنين بما أعملوا من الميثاق كافرين لما تركوه منه فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وفي الحديث الصحيح "سباب
[ ٣١١ ]
المسلم فسوق وقتاله كفر" وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به والآخر كفرًا ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمها فلا تتلقى هذه المسألة إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقًا أخرجوا عن الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوه مؤمنين كاملي الإيمان فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، للطريقة المثلى، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم فعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس هذا هو الكفر الذي تذهبون إليه رواه عنه سفيان وعبد الرزاق، وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وعن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وهذا بين في القرآن لمن تأمله، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرًا وسمى الكافر ظالمًا في قوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وسمى من يتعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال يونس –﵇- ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال آدم ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ وقال موسى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، وسمى الكافر فاسقًا في قوله ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وقال ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
[ ٣١٢ ]
وسمى العاصي فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقال في الذين يرمون المحصنات ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وليس الفسوق كالفسوق، وكذلك الشرك شركان شرك ينقل عن الملة وهوالشرك بالله الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الأصغر كشرك الرياء وقال تعالى في الشرك الأكبر ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقال ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ الآية وقال في الشرك والرياء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي الحديث "من خلف بغير الله فقد أشرك" ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار ومنه هذا قوله –ﷺ- "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" فانظر كيف انقسم الكفر والفسوق والظلم إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما ينقل عنها، وكذلك النفاق نفاقان. نفاق اعتقاد ونفاق عمل، ونفاق اعتقاد مذكور في القرآن في غير موضع، وأوجب لهم عقاب الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل جاء في قوله –ﷺ- "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان" وكقوله –ﷺ-: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذاب وإذا اؤتمن خان وإذ وعد أخلف" قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال فإذا كملت للعبد لم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقًا
[ ٣١٣ ]
خالصًا. انتهى. فانظر رمك الله إلى ما ذكره العلماء من أن الكفر نوعان كفر اعتقاد، وجحود وعناد فأما كفر الجحود والعناد فهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه، وأما النوع الثاني فهو كفر عمل، وهو نوعان أيًا كان: مخرج من الملة وغير مخرج منها، فأما النوع الأول فهو يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، والنوع الثاني كفر عمل لا يخرج من الملة كالحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد، وكذله قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقوله: "من أتى كاهنًا فصدقه وأتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل الله على محمد –ﷺ-" فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف –﵀-، لكن ينبغي وإن كان الكل يطلق عليه الكفر إلى آخر –﵀-، لكن ينبغي أن يعلم أن من تحاكم إلى الطواغيت أو حكم بغير ما أنزل الله، واعتقد أن حكمهم أكمل وأحسن من حكم الله ورسوله، فهذا ملحق الكفر الاعتقادي المخرج عن الملة كما هو مذكور في نواقض الإسلام العشرة، وأما من لم يعتقد ذلك لكن تحاكم إلى الطاغوت وهو يعتقد أن حكمه باطل فهذا من الكفر العملي.
فإذا تبين لك هذا فاعلم أن الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيمانًا فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق فمنها ما يزل الإيمان بزواله إجماعًا كشعبة الشهادتين ويكون إليها أقرب، ومنها
[ ٣١٤ ]
ما يلحق شعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالف للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وكذلك الكفر أيضًا ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كليًا من شعب الإيمان ولا يسوى بينها في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة والزكاة والصيام والشرك بالله واستهان بالمصحف، وبين من سرق أو زنى أو شرب أو انتهب أو صدر منه نوع من موالاة كما جرى لحاطب، فمن سوى بين الإيمان في الأسماء والأحكام أو سوى بين شعب الكفر في ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن السبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء، وقد تبين مما قدمناه من كلام ابن القيم وكلام شيخنا الشيخ عبد اللطيف أن الكفر كفران، وأن الفسق، والشرك شركان، والظلم ظلمان، والنفاق نفاقن، على ما ذكراه من التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقًا أخرجوا من الله بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي والإيمان فأولئك غلوا وجفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل.
[ ٣١٥ ]