ولما فرغنا من تسويد هذه الأوراق وكنا في حال تسديدها قد أحسنا الظن بمن نقلها وبقي في النفس إشكال وتردد هل هذا النقل كله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- أم لا حتى بلغني أنه إنما نقل هذه الورقة من مجموع المنفور في مجموعة وقابلنا بينه وبين هذين الورقة المنقولة بمحضر من الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق فإذ هو كتب عن "مجموع المنقور" ما ظن أنه له وحذف منه ما تيقن أنه عليه لا له وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي –﵀- أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل البدع لا يكتبون إلا ما لهم. وهذا نص ما ذكره "المنقور" في مجموع قال: ومما انتقاه القاضي من خط أبي حفص البرمكي بإسناده إلى أنس بن مالك رأيت رسول الله –ﷺ- يسجد على كور عمامته، وبإسناده إليه إذا سمعت النداء فأجب وعليك السكينة فإن أصبحت فرجة وإلا فلا تضييق على أخيك وأقر ما تسمع أذنيك وأقر ما تسمع أذنيك ولا تؤذ جارك وصل صلاة مودع ومنها أيضًا سئل ابن تيمية عمن يقرأ وهو يلحن، فأجاب إن قدر على التصحيح صحح وإن عجز فلا بأس بقراءته حسب استطاعته ومن كلام له أيضًا: وبعد فالاقتداء بأفعال رسول الله –ﷺ- من الأمور المشروعة كما هو مقرر في علم الأصول لا سيما فيما يظهر فيه قصد القربة كما ورد في إرسال الذؤابة في الحديث الذي رواه مسلم عن جعفر وابن حريث عن أبيه: كأني أنظر إلى رسول الله –عليه وسلم- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه وفي "الشمائل" عن هارون الهمداني بإسناده إلى ابن عمر كان رسول الله –ﷺ- إذا اعتم سدل عمامته بين
[ ٣٤٧ ]
كتفيه قال نافع وكان ابن عمر يفعل ذلك قال عبيد الله رأيت سالمًا والقاسم يفعلانه وعن عبد الرحمن بن عوف عممني رسول الله –ﷺ- فسدلها بين يدي ومن خلفي وعن علي قال: عممني رسول الله –ﷺ- يوم غدير خم بعمامة فسدل طرفيها على منكبي ثم قال إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معتمين بهذه العمة وأن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين. قال ابن وضاح حدثني موسى حدثنا وكيع حدثنا عاصم بن محمد عن أبيه قال رأيت على ابن الزبير عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه قدر ذراع قال عثمان بن إبراهيم رأيت عمر يحف شاربه ويرخي عمامته من خلفه إلى أن قال فهذه الآثار متعاضدة مع ما تقدمها من الأحاديث وهي دالة على استحباب الرسم بالذؤابة لذي الولايات والمناصب والمشار غلبيهم من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس ولهذا ألبسها رسول الله –ﷺ- عليًا يوم غدير خم وكان فيما بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فخطب رسول الله –ﷺ- قائمًا وعلي إلى جانبه واقفًا وبرأ ساحته مما كان نسب إليه من معاشرة إمارة اليمن فإن بعض الجيش نقم عليه أشياء تعاطاها هنا من أخذه تلك الجارية من الخمس ومن نزعه الحلل من اللباس لما صرفها إليه نائب فتكلموا فيه وهم قادمون إلى حجة الوداع فلم يفرغ رسول الله –ﷺ- أيام الحج لإزاحة ذلك من أذهانهم فلما قفل راجعًا إلى المدينة ومر بهذا الموضع ورآه مناسبًا لذلك خطب الناس هنالك وبرأ ساحة علي مما نسبوه إليه وهكذا عبد الرحمن ألبسه الذؤابة لما بعثه أميرًا على تلك السرية وهكذا يستحب هذا للخطباء وللعلماء شعارًا وعلمًا عليهم في صفتها قال بعضهم: تكون بين الكتفين وهو قول الجمهور ونص مالك أنها تكون بين اليدين قال الأولون قدر أربع أصابع
[ ٣٤٨ ]
بين الكتفين وقيل إلى نصف الظهر قيل القعدة. انتهى ما ذكره المنقور في مجموعه. ونحن نبين ما في روقته من التدليس والتلبيس والإيهام وما فيها من الغلط والكذب على الأئمة الأعلام وننبه على ما حذفه وتركه مما نقله من مجموع المنقور مما هو عليه لأنه فأما ما ذكره من التدليس والتلبيس والإيهام فهو قوله فائدة في فضل العمامة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى- وقدس روحه وهذا لم يذكره الشيخ "أحمد بن محمد المنقور" في مجموع فأوهم السامع لهذا الكلام أن شيخ الإسلام ذكر هذا في فضل العمامة وهو إنما قاله من تلقاء نفسه وليس هو من كلام شيخ الإسلام ولا من كلام المنقور تدليسًا وتلبيسًا على خفافيش الأبصار وكذلك أوهم السامع أن هذه الورقة كلها من أولها إلى آخرها من كلام شيخ الإسلام وهو كذب عليه لم تكن هذه الورقة كلها من كلام شيخ الإسلام والذي ذكره أحمد بن محمد إلى أنس بن مالك فذكره ثم قال ومنها أي مما انتقاه القاضي أيضًا سئل ابن تيمية عمن يقرأ وهو يلحن فأجاب: إن قدر على التصحيح صحح إلى آخره ثم قال: ومن كلام له أيضًا وبعد فالاقتداء بأفعال الرسول –ﷺ- من الأمور المشروعة إلى آخره والظاهر من سياق الكلام أن هذا كله مما انتقاه القاضي من خط أبي حفص البرمكي وليس فيه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية شيء صريح إلا قوله: ومنها أيضًا سئل ابن تيمية عمن يقرأ وهو يلحن إلى آخره فإن كان ما ذكره بقوله ومن كلامه أيضًا من كلام شيخ الإسلام لا من كلام القاضي الذي انتقاه من خط أبي حفص البرمكي فهو إنما يدل على فضيلة الذؤابة بين كتفيه على فضل العمامة ومشروعية لبسها ويكون منتهى ذلك النقل عنه إلى قوله. قال عبد الله رأيت سالمًا والقاسم يفعلانه.
[ ٣٤٩ ]
وأما قوله: وفي الشمائل عن هارون الهمداني بإسناده على ابن عمر كان رسول الله –ﷺ- إذا اعتم إلى آخره، فهذا الحديث قد ذكره الترمذي في الشمائل وليس فيه إلا مشروع إرسال الذؤابة كما تقدم بيانه، وأما قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف عممني رسول الله –ﷺ- فسدلها بين يدي ومن خلفي وهذا الحديث لم نجده في الشمائل في باب ما جاء في عمامة النبي –ﷺ- إلا أن يكون في غير هذا الموضع فلا أدري. وأما قوله وعن علي قال: عمني رسول الله –ﷺ- يوم غدير خم بعمامة فسدل طرفها على منكبي ثم قال إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة متعممين بهذه العمة وأن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين.
فأقول: وهذا أيضًا لم نجده في الشمائل على هذا الوضع الذي ذكره والذي ذكره الترمذي –﵀- في جامعه في أبواب اللباس في باب ما جاء في العمامة السوداء فذكر حديث جابر في دخوله مكة يوم الفتح قال وفي الباب عن عمرو بن حريث وابن عباس وركانة حديث حسن صحيح ثم ذكر حديث هارون ثم قال: وفي الباب عن علي ولا يصح حديث علي هذا من قبل إسناده. فذكر –﵀- أن حديث علي هذا لا يصح من قبل إسناده وقد نسبه هذا الناقل في ورقته عن عبد الرحمن بن عوف إما غلطًا وأما تدليسًا وتلبيسًا على من لا معرفة لديه ومثل هذا الحديث لا يعتمد عليه ولا يذكر إلا مع بيان عدم صحته وأما بدون ذلك فلا يجوز كما ذكره شيخ الإسلام وغيره من العلماء وهؤلاء إنما ذكروه من أجل أن فيه مقالًا لا أن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين، وهذا مع أن الحديث لا يصح ولا يعتمد عليه قد كان من المعلوم بالاضطرار أن المشركين كانوا يلبسون العمائم كما أن المسلمين يلبسونها وكذلك الأئمة، فأي فرق وحاجز بين المشركين والمسلمين وحينئذٍ يتميز به هؤلاء لو
[ ٣٥٠ ]
كانوا يعلمون؟
فصل
وأما ما حذفه مما نقله من "مجموع المنقور" لما ذكر كلام ابن وضاح إلى قوله قال عثمان بن إبراهيم: رأيت ابن عمر يحف شاربه ويرخي عمامته قال إلى أن قال: فهذه الآثار متعاضدة مع ما تقدمها من الأحاديث وهي دالة على استحباب الرسم بالذؤابة لذي الولايات والمناصب والمشار من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس، ولهذا لبسها رسول الله –ﷺ- عليًا يوم غدير خم وكان فيما بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع في اليوم الثامن عشرين من ذي الحجة فخطب رسول الله –ﷺ- قائمًا إلى جانبه واقفًا وبرأ ساحته مما كان نسب إليه في مباشرته امرأة من اليمن فإن بعض الجيش نقم عليه أشياء تعاطاها هذا من أخذ تلك الجارية الخمس ومن نزعه الحلل من اللباس لما صرفها إليهم نائب فتكلموا فيه وهم قادمون إلى حجة الوداع فلم يفرغ رسول الله –ﷺ- أيام الحج لإزاحة ذلك من أذهانهم فلما قفل راجعًا إلى المدينة ومر بهذا الموضع ورآه مناسبًا لذلك خطب الناس هنالك وبرأ ساحته مما نسبوه إليه وهكذا يستحب هذا للخطباء وللعلماء شعارًا وعلمًا عليهم في صفتها. انتهى. وهذا كله خوفه من كلام ابن وضاح الذي ذكره "المنقور" في مجموعة وهذه هي طريقة داود بن جرجيس فيما ينقله من كلام الإسلام ابن تيمية ويتصرف فيه وكذلك عثمان بن منصور فيما ينقله فنعوذ بالله من هذه الطريقة الضالة الكاذبة الخاطئة.
ثم ذكر قول ابن وضاح حيث قال: وقال بعضهم بين الكتفين وهو قول
[ ٣٥١ ]
الجمهور ونص مالك أنها تكون بين اليدين ثم قال الأولون أنها تكون قدر أربع أصابع وقيل على نصف الظهر وقيل القعدة. انتهى. وهذا آخر ما ذكره المنقور في مجموعه وقد زعم صاحب الورقة أن كلام ابن وضاح هذا مما نقله شيخ الإسلام عنه فذكر منه ما ظن أنه موافق له وأنه لا عليه وحذف منه ما يخالف رأيه حيث قال فهذه الآثار متعاضدة مع ما تقدمها من الأحاديث وهي دالة على استحباب الرسم بالذؤابة لذي الولايات والمناصب المشار إليهم من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس إلى آخر فلو كان هذا النقل ثابتًا عند شيخ الإسلام لكان مناقضًا لمنا ذكره في "الاختيارات" حيث قال إن اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارًا فارقًا كما أمر أهل الذمة بالتمييز عن المسلمين في شعورهم وملابسهم فيه مسألتان، المسألة الأولى هل يشرع ذلك استحبابًا بالتمييز للفقير والفقيه من غيره فإن طائفة من المتأخرين استحبوا ذلك وأكثر الأئمة لا يستحبون ذلك بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة بثوب الشهرة. أقول هذا فيه تفصيل في كراهته وإباحته واستحبابه فإنه يجمع من وجه ويفرق من وجه، ثم ذكر المسألة الثانية: أن لبس المرقعات والمصبغات والصوف إلى آخرها وهذه المسألة ليس النزاع فيها فلا حاجة إلى ذكرها هنا. فذكر –﵀- أن هذا استحباب طائفة من المتأخرين وأما أكثر الأئمة فإنهم لا يستحبون ذلك بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة وبثوب الشهر وقد أعاذ الله شيخ الإسلام من التناقض في أقواله وأن ذلك لا يليق بإمامته وجلالته ومكانته من العلم، ثم تأمل ما تركه هؤلاء وحذفوه من كلام ابن وضاح حيث ذكر أن استحباب الرسم بالذؤابة لذي
[ ٣٥٢ ]
الولايات والمناصب والمشار إليهم من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس فذكر أن هذا خاص بهؤلاء وأنه لا يستحب ذلك لآحاد الناس ثم أخذوا المعنى مما حذفوا وجعلوه رسمًا وشعارًا لكل أحد ممن يدخل في هذا الذين وإن لم يكونوا من أهل الولايات والمناصب والعلماء والخطباء فلم يتقيدوا من أهل الولايات والمناصب والعلماء والخطباء فلم يتقيدوا بما ذكره أهل العلم من المتأخرين وإن كان مرجوحًا ولم يقتدوا برسول الله –ﷺ- وأصحابه وسائر العرب في لباسهم من الأردية والعمائم الساترة لجميع الرأس وكونها محنكة بل جعلوا مكانًا ذلك عصائب جعلوا لها ذؤابة وظنوا أنهم قد أخذوا بالسنة في ذلك وليس هذا من السنة في شيء وقد تبين لك أن شيخ الإسلام ابن تيمية مع أكثر الأئمة لا يستحبون هذا الزي وهذا الشعار بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة وتبين لك أيضًا من سياق الأحاديث وكلام العلماء أن هذا في إرسال الذؤابة لا في مشروعية العمامة لأنه قد كان من المعلوم عندهم أن لبس العمائم من عادة العرب في الجاهلية والإسلام وليست شعارًا لهم لأهل الولايات والمناصب والمشار إليهم من أهل العلم وإنما الشعار الخاص بهم الرسم بالذؤابة فقط.
[ ٣٥٣ ]