وأما قوله: قال في "الإقناع"، وشرحه إلى آخر ما نقل فهذا كله ليس من كلام شيخ الإسلام الذي نقله لمنقور، وفيه، ويسن تحنيك العمامة إلى آخر ما ذكره عن ابن مفلح وهؤلاء لا يحنكون العصائب وقد ذكر أهل العلم أن تحنيك العمائم مسنون لأن عمائم المسلمين كانت كذلك على عهد رسول الله –ﷺ- وقد تقدم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" أنه قال
[ ٣٥٣ ]
قال الميموني: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك وقال العرب أعمتها تحت أذقانها وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد يكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك كراهة شديدة وقال إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس. انتهى. فتبين لك من صنيع هؤلاء أنه لو كان المقصود منهم الاقتداء برسول الله –ﷺ- في هديه وفي لباسه لفعلوا كما فعل ولم يبتدعوا زيًا وشعارًا يخالف هديه فهذا ما تيسر لي من الجواب مع تكدر البال وكثرة الاشتغال والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين الحمد لله وحده.
تنبيه: ذكر الشيخ صديق بن حسن في كتابه "الدين الخالص" في صفحة سبع وأربعين وستمائة على قوله –ﷺ- في حديث ركانة أن النبي –ﷺ- قال "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس" رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب إسناده وليس بالقائم. انتهى. وفيه دلالة على أن الكفار والمشركين يستعملون العمائم بلا قلنسوة وأن المسلمين زيهم أن يلبسوها عليها وليس فيه أن لبس القلانس ممنوع بل فيه فضيلة العمامة عليها وأن لا يكون الاقتصار على واحد منهما أبدًا بل يجمع بينهما ويتميز عن أقوام لا يلبسون العمائم أصلًا ويقنعون على القلانس فقط كالنصارى ومن ضاهاهم من أجيال أخرى وعن أرهاط لا يلبسون القلانس بل يستعملون العمائم فقط كالهنود ومنهم من لا يلبس قلنسوة ولا عمامة بل يبقى مكشوف الرأس أبدًا كأناس بنجالة في الهند ومنهم من يجمع بينهما لكن على زي الأعاجم دون العرب ومراده –ﷺ- بالعمائم في هذا الحديث هي التي كان يلبسها هو وأصحابه وتابعوهم وهي مضبوط مصرح
[ ٣٥٤ ]
بها في كتب السنة المطهرة طولًا وعرضًا مع بيان شأن الربط وما يتصل به قال المجزي: قد تتبعت الكتب لأقف على قدر عمامة النبي –ﷺ- فلم أقف حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على كلام النووي أنه كان له –ﷺ- عمامة قصيرة هي سبعة أذرع وعمامة طويلة ومقدارها اثنا عشر ذراعًا قال في "المرقاة" فتعمم على القلانس وهم يكتفون بالعمائم. انتهى. وأما اليوم فإني رأيت العرب ومن يساكنهم في الحرمين الشريفين أدام الله شرفهما أحدثوا لها أشكالًا غير الشكل المأثور وأفرطوا فيها وفي غيرها من اللباس والثياب حتى خرجوا عن زي الإسلام السالف واختاروا ما شاءوا من القلانس والعمائم قال علي القاري في حق أهل مكة في زمنه: عمائم كالأبراج وكمائم كالأخراج. انتهى. وما أصدقه في هذه المقالة فقد وجدناهم كذلك بل وجدناهم فوق ذلك لأنه مضى على زمنه مئون وللدهر في عصر فنون وشئون كما قيل في كل بلد من بلادهم مائة مشيئة ومائة لسان ولا يقف عند حد أحد من نوع إنسان وما شاء الله كان. انتهى.
فبين –﵀- أن اسم العمامة لا يقع إلا على ما كان يلبسه رسوله –ﷺ- وأصحابه والتابعون وغير ذلك المحدث من العمائم التي أحدثت بعد ذلك وجعل لها أشكالًا غير الشكل المأثور فهي من المبتدعات المحدثة التي تخالف زي العرب وما كان عليه رسول الله –ﷺ- وأصحابه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين والحمد لله رب العالمين.
"تم بحمد الله"
[ ٣٥٥ ]