قال المعترض: مذهب الوهابية كان الناس في اختباط وتردد من حقيقة مذهب الوهابية ومقولاتهم بسبب ما كانوا يتسترون به، من مظاهر التوحيد وادعاء التمسك بالكتاب والسنة حتى طغوا وبغوا وتغلبوا على الحجاز، وناظرهم العلماء فكشف الله الستر عنهم وسلط عليهم إبراهيم باشا المصري فكاد يفنيهم ويقطع دابرهم، لكن إرادة الله في بقاء جرثومة من هذه الطائفة في بلاد نجد، وقد تصدى لتحرير مذهبهم، وتقرير مقولاتهم، والرد عليهم جمهور من علماء الحجاز، منهم أحمد بن زين الملقب بدحلان نزيل مكة المكرمة، المتوفى في المدينة المنورة سنة ٣٣ وبسط ذلك في تاريخه المسمى خلاصة الكلام، في أمراء،
[ ٧ ]
البلد الحرام، وأنا إن شاء الله آخذ عنه ما يتعلق بموضوعنا مختصرًا بدون تصرف، وبالله المستعان.
والجواب: أن يقال: لا غرو من هذا ولا بدع، فإن الناس من أهل الريب والالتباس كانوا من أمر الشيخ وحاله في اختباط وتخليط من حقيقة ما كانوا عليه الشيخ ﵀ على قدر أغراضهم وشهواتهم وإراداتهم الباطلة فرموه بالأمور العظيمة، من الأقوال الشنيعة الذميمة، وعادوه وآذوه، وأخرجوه من بلده لما دعاهم إلى توحيد الله، بإخلاص العبادة وترك عبادة ما سواه كما قال ورقة بن نوف لرسول الله –ﷺ- "يا ليتني فيها جذعًاَ إذ يخرجك قومك" قال: "أو مخرجي هم؟ " قال: "نعم إنه لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا أوذي وعودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا" فهذه حال الرسل وأتباعهم على الحقيقة في كل زمان ومكان، وأما من هداه الله لدين الإسلام، وشرح صده للإيمان به وتوحيده، فإن لم يتخبط في حال الشيخ، ولم يتردد فيه كما تردد وتخبط فيه من أعمى الله بصيرة قلبه، لأنه قد كان من المعلوم عند عاقل خبر الناس وعرف أحوالهم، وسمع شيئًا من أخبارهم وتواريخهم، أن أهل نجد وغيره ممن تبع دعوة الشيخ، واستجاب لدعوته من سكان جزيرة العرب كانوا على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا من أمر دينهم في جاهلية، يدعون الصالحين، ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران، يطوفون بقبور الأولياء، ويرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية، وجهالة الصوفية، ما يرون أنه من الشعب والإيمانية، والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلوات، ومنع الزكاة، وشرب المسكرات، ما هو معر وف ومشهور، فمحى
[ ٨ ]
الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى، بما جاء به محمد –ﷺ- من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء، وأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين، في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله، واستعلن واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد حتى سارت دعوته، وثبت نصحه لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وجمع الله به القلوب بعد شتاتها وتألفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخوانًا، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي الصحور، وفتح عليهم الحسا والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام، ودانت لهم عربهم وأعطوا الزكاة، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا كما قال عالم صنعاء وشيخها في ذلك الوقت.
قفي واسألي عن عالم حل سوحها به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد سر في جاءني من طريقه وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقال عالم الإحساء وشيخها:
لقد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلو الضلال ويرفع
[ ٩ ]
تجر به نجد ذيول افتخارها وحق لها بالألمعي ترفع
وهذه في أبيات لا نطيل بذكرها وقد شهد غيرهما بمثل ذلك واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته.
وأما قوله: من حقيقة الوهابية ومقولاتهم بسبب ما كانوا يتسترون به من مظاهر التوحيد وادعاء التمسك بالكتاب والسنة.
فالجواب أن يقال: حقيقة ما عليه الوهابية هو ما كان عليه رسول الله –ﷺ- وسلف الأمة وأئمتها في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقتها أصحاب رسول الله –ﷺ- بالقبول والتسليم، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا فيما بعد إن شاء الله تعالى. قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى:
[ ١٠ ]