قال الليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قال: لا تحبوا غيري.
وفي صحيح الحاكم (١) عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «الشَّرَكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْجَوْرِ، أَوْ أَنْ تُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ؟».
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة عَلَى ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
وقال الحسن: اعلمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته!
وسئل ذو النون: متى أحبّ ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر.
وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك.
وقال أبو يعقوب النَّهْرجَوري: كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة.
وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادقٍ من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.
وقال رويم: المحبة: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد:
وَلَوْ قُلْتَ لي مُتْ مُتُّ سَمعًا وطَاعَةً وَقلت لِدَاعي المَوْتِ أهلا ومَرْحَبًا
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٩١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم=
[ ٣ / ٦٠ ]
ويشهد لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
قال الحسن: قال أصحاب النبي - ﷺ -: يا رسول، الله إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا؛ فأحبَّ الله أن يجعل لحبه علمًا. فأنزل الله -تعالى- هذه الآية.
ومن هنا يُعلم أنَّه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله؛ فإنَّه إذا علم أنَّه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه. ولا طريق إِلَى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد المبلّغ عن الله ما يحبه وما يكرهه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله وتصديقه ومتابعته.
ولهذا قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ إِلَى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله في مواضع كثيرة.
وقال - ﷺ -: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، وَأَنْ يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ" (١).
_________________
(١) =يخرجاه. وتعقبه الذهبي في التلخيص قائلا: عبد الأعلى، قال الدارقطني: ليس بثقة.
(٢) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس.
[ ٣ / ٦١ ]