ففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة، مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج.
ونظير هذا أن النبي - ﷺ - قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" (١).
ففهم عمر، وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدُّنْيَا بمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصِّديق أنَّه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها، لقوله - ﷺ -: "فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وقال: الزكاة حق المال" (٢).
وهذا الَّذِي فهمه الصديق؛ قد رواه عن النبي - ﷺ - (صريحًا غير واحد من الصحابة) (*) منهم: ابن عمر (٣) وأنس (٤) وغيرهما (٥)، وأنه قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» ".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر بهذا اللفظ، وورد بلفظ: "حتى يقولوا" في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب، وفي صحيح البخاري من حديث أنس، وفي صحيح مسلم من حديث جابر. (*) جماعة من الصحابة "نسخة".
(٢) انظر تخريج الحديث السابق.
(٣) كما سبق في الصحيحين.
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٢).
(٥) منهم: أ- جابر بن عبد الله، كما عند مسلم برقم (٢١/ ٣٥). ب- وعمر، كما عند البخاري برقم (١٣٩٩)، ومسلم برقم (٢٠). ج- وأبو هريرة، كما عند مسلم برقم (٢١).
[ ٣ / ٤٩ ]
وقد دل عَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
كما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، عَلَى أن الأخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد.
ولما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إِلَى قوله (١)، ورأوه صوابًا.
فإذا عُلم أن عقوبة الدُّنْيَا لا ترفع عمن أدّى الشهادتين مطلقًا.
بل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة.
وقد ذهب طائفة إِلَى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم:
الزهري والثوري وغيرهما.
وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة قد نزل بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنَّه كان في غزوة تبوك (وهي) (*) في آخر حياة النبي - ﷺ -.
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث أنها منسوخة، ومنهم من يقول: هي (**) محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إِلَى أن الزيادة عَلَى النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور.
وقد صرَّح الثَّوري وغيره بأنها منسوخة، وأن نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السَّلف كانوا يطلقون النسخ
_________________
(١) وعلى رأسهم عمر ﵁ كما عند البخاري (١٤٠٠)، ومسلم (٢٠) حيث قال: "فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق". (*) وهو "نسخة". (**) إنها: "نسخة".
[ ٣ / ٥٠ ]
عَلَى مثل ذلك كثيرًا، ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود تبين بها توقفُ دخول الجنة والنجاة من النار عَلَى فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أي: مبيَّنة مفسَّرة، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة أي: مفسَّرة لمعنى تلك، موضِّحة لها.
***
[ ٣ / ٥١ ]