وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها.
وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أنَّ من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، وهذا ظاهر؛ فإن النار لا يخلّد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يُحجَب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار.
وحديث أبي ذر معناه: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مِرْية فيه، ليس فيه أنه لا يعذَّب عليها مع التوحيد.
وفي مسند البزار (^١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا:
"من قال: لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه".
الثانيّ: ما فيه أنه يحرم على النار، وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلّد فيها أهلهُا، وهي ما عدا
_________________
(١) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار البصري صاحب "المسند" الكبير كانت وفاته سنة ٢٩٢.
[ ١٢ ]
الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين، بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين.
وفي "الصحيحين":
"إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله".
وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن "لا إله إلا الله" سببٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع؛ وهذا قول الحسن (^١) ووهب بن منبه (^٢) وهو الأظهر.
_________________
(١) هو التابعي الجليل، أبو سعيد الحسن بن يسار البصريّ، الإمام الزاهد الشجاع البليغ. ولد بالمدينة سنة ٢١ هـ وتوفي بالبصرة سنة ١١٠ هـ. وقد حفظت لنا الكتب كثيرًا من أخباره وكلماته السائرة.
(٢) هو وهب بن منبه الأبناوي الصنعانيّ، أصله من أبناء الفرس، يعد في التابعين، مؤرخ يكثر من نقل الإسرائيليات. ولد في اليمن سنة ٢٠ وبها توفي سنة ١١٠ هـ.
[ ١٣ ]