كما قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة.
وقال ﷺ: "ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الايمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" (^١).
هذه حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل النفوس وقالوا لفرعون: اقض ما أنت قاضِ!. ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب، وهذا هو معنى الحديث الآلهي الذي خرَّجه البخاريّ في "صحيحه" وفيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" (^٢). وقد قيل: إن في بعض الروايات: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش
_________________
(١) متّفقٌ عليه من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) حديث صحيح كما حققته في "الصحيحة" (١٦٤٠).
[ ٣٤ ]
وبي يمشي. والمعنى أن محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بارادة مولاها عن مرادها وهواها.
يا هذا! اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يُردْ صاحبُها إلا ما يريد مولاه.
وفي بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله لم يكن شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه.
وروى ابن أبي الدنيا (^١) بإسناده عن الحسن قال: ما نظرت بصري ولا نطقت بلسانيّ، ولا نطشت بيديّ، ولا نهضت على
_________________
(١) هو الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن سفيان البغدادي الحافظ المعروف بابن أبي الدنيا. صدوى صلحب التَّصانيف. مات ﵀ سنة ٢٠٨ هـ
[ ٣٥ ]
قدميّ، حتى أنظر على طاعة الله أو على معصيته، فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرت.
هذا حال خَوَاصِّ المحبين الصادقين، فافهموا رَحمكم الله هذا، فإنه: من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. والى هذا المقام أشار النبيّ ﷺ في خطبته لما قدم المدينة حيث قال: "أحبُوا من كل قلوبكم" (^١). وقد ذكرها ابن إسحاق (^٢) وغيره. فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه شيء أفرغ من إرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل (^٣) بقوله:
_________________
(١) رواه ابن إسحاق بدون سند كما في سيرة ابن هشام (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء، المدني أحد الأئمة الأعلام، من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة له السيرة النبوية رواها عنه ابن هشام وكتاب الخلفاء، وكان قدريًا ومن حفاظ الحديث حجة إذا صرح بالتحديث، سكن بغداد ومات سنة ١٥١ فيها.
(٣) هو أحمد بن حسين المتنبي في قصيدته التي مطلعها: فدًا لك من يقتصر عن مداكا … فلا ملك إذن إلا فداكا
[ ٣٦ ]
أروح وقد ختمْتَ على فؤادي … بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي … فلم أنظرْ به حتى أراكا!
أحبك لا ببعضي بل بكلي … وإن لم يُبق حبُك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد … وآخر يدَّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكا ممن تباكى!
فأما من بكى فيذوب وجدًا … وينطق بالهوى من قد تشاكا
متى بقي للمحب حظ من نفسه فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إنما المحب من يفنى عن كله، ويبقى بحبيبه، في يسمع وبي يبصر.
القلب بيت الرب:
وفي الإسرائيليات يقول الله: "ما وسعني سماني ولا أرضيّ، ووسعني قلب عبدي المؤمن" (^١). فمتى كان القلب
_________________
(١) لقد أحسن المؤلف صنعًا بعزوه هذا الكلام إلى الإسرائيليات، وقد جاء في كتب بعض المتصوفة وغيرهم مرفوعًا إلى رسول ﷺ واشتهر كذلك على الألسنة، ولا أصل له مرفوعًا كما نص عليه الأئمة.
[ ٣٧ ]
فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى … الحق غيور يغار على عبده المؤمن أن يسكن في قلبه سواه، أو يكنَّ فيه شيء ما يرضاه.
أردناكُمُ صرْفًا فلما مزجتم … بعدتم بمقدار التفاتِكُم عنّا
وقلنا لكم: لا تُسكنِوا القلبَ غيرَنا … فأسكنتم الاغيار، ما أنتم منا!
لا ينجو غدًا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ (^١). القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدوس إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال عنه الخبث صلح حينئذ للمجاورة.
"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا (^٢). فأما القلوب الطيبة فتصلح
_________________
(١) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨، ٨٩.
(٢) هذا طرف من حديث لأبي هريرة رواه مسلم في "صحيحه"، مرفوعًا.
[ ٣٨ ]
للمجاورة من أول الأمر: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (^١). ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (^٢). ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (^٣).
من لمُ يحْرِقْ اليوم قلبّه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق إلى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًّا.
ما يحتاج إلى التطهر بنار جهنم إلا من لم يُكْمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.
أول من تُسْعَر به النار من الموحدين العباد المراؤون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء، لأن يسير الرياء شرك (^٤).
ما نظر المرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق.
المرائي يزوّر التوقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل (^٥)
_________________
(١) سورة الرعد، الآية: ٢٤.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٣) سورة النحل، الآية: ٣٢.
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة في "صحيح مسلم" (٦/ ٤٧).
(٥) البرطيل بكسر الباء: الرشوة، جمعه: براطيل.
[ ٣٩ ]