هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمَّى طاعة الشيطان في معصيته عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) (^١). وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عِصيًّا) (^٢)، فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلُص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (^٣). فهم الذين حققوا قولَ: لا إله إلا الله"، وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله محبةً ورجاءً وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: "لا إله إلا الله"، وهم عباد الله حقًّا؛ فأما من
_________________
(١) يس: ٦٠.
(٢) مريم: ٤٤.
(٣) الحجر: ٤٢.
[ ٢٧ ]
قال: "لا إله إلا الله"، بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذّب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، (ومن أضل ممن اتّبع هواه بغير هدى من الله؟) (^١) (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (^٢).
فيا هذا كن عبد الله لا عبد الهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) (^٣)!
تعسَ عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! والله لا ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار، من علم أن معبودَه الله فرد، فليُفْرده بالعبودية، (ولا يُشرك بعبادة ربه أحدًا) (^٤).
كان بعض العارفين يتكلم على أصحابه، على رأس جبل، فقال في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد؛
_________________
(١) القصص: ٥٠.
(٢) ص: ٢٦.
(٣) يوسف: ٣٩.
(٤) الكهف: ١١٠ وانظر رسالة "العبودية" لشيخ الإسلام ابن تيمية فالمؤلف أورد هنا الكثير من كلامه.
[ ٢٨ ]