"فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، وقال: الزكاة حق المال.
وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبيّ ﷺ صريحًا غيرُ واحد من الصحابة منهم ابن عمر (^١) وأنس وغيرهما وأنه قال:
"أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، وقد دل على ذلك قولُه تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم"، كما دل قوله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، على أن الأخوة في الدين
_________________
(١) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي وهاجر إلى المدينة وهو ابن عشر سنين، استصغر في غزوة بدر. ثم أجازه رسول الله ﷺ في غزوة الخندق. كان إمامًا متينًا واسع العلم كثير الرواية، له ألف وستمائة حديث، ومما رواه الإمام أحمد منها وليس بينه وبين الرسول ﷺ سوى ثلاثة نفر. . حديثًا انظر الجزء الأول من "نفثات صدر المكمد في شرح ثلاثيات الإمام أحمد" للسفاريني وكان كثير الاتباع لرسول الله ﷺ عاش سبعًا وثمانين سنة، توفي ﵁ سنة ٧٤ هـ.
[ ١٨ ]
لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد. فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد.
فلما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله، ورأوه صوابًا.
فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدّى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة.
وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم الزهريّ (^١) والثوري (^٢) وغيرهما، وهذا بعيد جدًّا، فإن كثيرًا منها كان
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبيد الله الزهري المدنيّ، أحد الفقهاء الأعلام المشهورين، قال ابن تيمية: حفظ الزهري الإسلام نحوًا من سبعين سنة. مات ﵀ سنة ١٢٤ هـ. وعمره ٧٤ سنة.
(٢) هو سفيان بن سعيد الثوريّ، أمير المؤمنين في الحديث، وأحد السادات علمًا وعملًا. قال ابن رجب: وجد في القرن الرابع سفيانيون - أي مقلدون له في الفقه - وهذه الجملة تشير إلى أن المسلمين لم يقتصروا في أي زمان على المذاهب الأربعة. وكانت وفاته سنة ١٦٠ هـ.
[ ١٩ ]
بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبيّ ﷺ.
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة (^١).
ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرَّح الثَّوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا، ويكون مقصودهم، أن آيات الفرائض والحدود تبين بها توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أيّ: مبيَّنة مفسَّرة، ونصوص الحدود والفرائض ناسخة أيّ: مفسِّرة لمعنى تلك، موضحة لها.
_________________
(١) وهذا كالذي قبله في البعد، لما تقرر في علم الأصول من أن الأخبار لا تنسخ. والأحاديث المذكورة أخبار، فلا يجوز القول بنسخها.
[ ٢٠ ]
وقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيَّدة في أحاديث أُخر، ففي بعضها:
"من قال: "لا إله إلا الله مخلصًا"، وفي بعضها: "مستيقنًا"، وفي بعضها: "يصدق لسانه". وفي بعضها: "يقولها حقًّا من قلبه"، وفي بعضها: "قد دل بها لسانه واطمأن بها قلبه".
وهذا كله إشارة إلى عمل القلب، وتحققه بمعنى الشهادتين، فتحقيقُهُ بقول: لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حبًا ورجاءً، وخوفًا، وتوكلًا واستعانة، وخضوعًا وإنابة، وطلبًا. وتحقيقه بأن محمدًا رسول الله، ألا يعبد الله بغير ما شرعه الله على لسان محمد ﷺ (^١)، وقد جاء هذا المعنى مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ صريحًا أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة.
_________________
(١) ولا يكون ذلك إلا بسد باب الابتداع في العبادات والاستحسان في الدين باسم البدعة الحسنة، لأن هذه التسمية بذاتها من البدع أيضًا، ورسول الله ﷺ يقول: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، ولا يمكن أن يكون هذا الحديث من العام المخصوص كما يقول بعض المتأخرين، لأسباب كثيرة، منها: أنه لا يوجد ما يخصه =
[ ٢١ ]
قيل: ما إخلاصها يا رسول الله؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حرَّم
_________________
(١) = من النصوص، وما يتوهمونه منها مخصصًا، فليس كذلك، بل ما صح منها مما يورده بهذا الخصوص، فإنما يدل على استحسان بعض الوسائل المحدثة، لأنها قد توصل إلى أمور مشروعة بالنص، فهذه الوسائل هي التي تقبل التقسيم إلى خمسة أقسام، لا البدعة الدينية، وهذا كما يقال: "ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب" ومن ذلك جمع القرآن، وتصنيف الكتب وغير ذلك، فكلها من الوسائل المشروعة لأنها تؤدي إلى ما هو مشروع بالنصوص كما لا يخفى، فليست هي من البدعة في شيء، خلافًا لما يظنون، وهذه الوسائل هي من التي يمكن حمل الحديث الصحيح عليها: "منْ سنَّ في الإسلام سنة حسنة … ومن سن في الإسلام سنة سيئة … " وسبب وروده يدل على ذلك دلالة قاطعة، لأن النبيّ ﷺ إنما قاله بمناسبة قيام رجل من الصحابة - بعد أن حضهم النبيّ ﷺ على الصدقة، فذهب الرجل إلى داره ثم عاد ومعه شيء من الصدقة، فوضعها أمام النبيّ ﷺ، فلما رأى سائر الصحابة ما فعل الرجل، استنوا به، وجاء كل واحد منهم بما تيسر من الصدقة، فاجتمع أمام النبيّ ﷺ ما شاء الله منها، فقال هذا الحديث، أفترون ذلك الصحابي أتى ببدعة حسنة، حين جاء بالصدقة ولذلك فإننا نقطع بأن باب التقرب إلى الله تعالى ليس يمكن دخوله إلا من طريق اتباع محمد ﷺ، كيف لا وهو القائل "ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به"، وقد فهم هذه الحقيقة سلفنا الصالح ﵃، ولذلك أمرونا باتباعها فقالوا: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق".
[ ٢٢ ]