إليها حتى أصاب الحائط وجهه (^١) فأخبر النبي ﷺ بالأمر فقال: "أنت عبد أراد الله بك خيرًا". ثم قال: "إن الله إذا أراد بعبده شرًا أمسك ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة".
يا قوم! قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فَرُشّوا عليها قليلًا من دموع العيون وقد طهرت.
اعزموا على فِطام النفوس عن رَضاع الهوى، فالحمية (^٢) رأس الدواء، متى طالَبتْكم بمألوفاتها فقولوا مقالة تلك المرأة لذلك الرجل الذي دمي وجهه: أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام، والإسلام يقتضي الاستسلامَ والانقياد للطاعة.
ذكّرِوها مدحةَ (إن الذين قالوا ربُنا الله ثم استقاموا (^٣)
_________________
(١) لعله أصيب بما شوهه أو جرحه أو أسال دمه انتقامًا من الله وتعجيلا له بالتأديب.
(٢) الجمية (بكسر فسكون ففتح): الامتناع عن الشي.
(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٠ - وتمامها: (تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).
[ ٤٨ ]
تحِنّ إلى الاستقامة.
عرِّفوها اطلاعَ من هو أقرب إليها من حبل الوريد (^١) لعلها تستحي من قربه ونظره: (ألم يعلم بأن الله يرى) (^٢)، (إن ربك لبالمرصاد) (^٣).
راوَدَ رجل امرأةً في فلاة ليلا فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب. قالت: فأين مُكوْكِبُها! (^٤).
أكْرَهَ رجلٌ امرأةً على نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، فقال لها: هل بقي باب لم يغلق؟. قالت: نعم، الباب الذي بيننا وبين الله تعالى، فلم يتعرض لها.
رأى بعض العارفين رجلا يكلِّم امرأة فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما!.
_________________
(١) الوريد: عرق في العنق.
(٢) سورة العلق الآية: ١٤.
(٣) سورة الفجر، الآية: ١٤.
(٤) مكوكبها: أي خالقها وصانعها.
[ ٤٩ ]
سئل الجنيد (^١): بمَ يستعان على غضِّ البصر؟. قال: بعلمك أنّ نَظَر الله إليك أسبقُ من نظرك إليه.
قال المحاسبي (^٢): المراقبة: علم القلب بقرب الرب … كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره.
وصَّى النبي ﷺ رجلًا أن يستحي من الله كما يستحي من رجل صالح من عشيرته لا يفارقه (^٣).
قال بعضهم: استح من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك.
كان بعضهم يقول لي: منذ أربعين سنة ما خطوت لغير
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) هو أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي، الزاهد المشهور صاحب التصانيف والرد على المعتزلة والرافضة وغيرهم، وله كلام في التصوف يدل على غزارة علمه. روى عن الجنيد، مات سنة ٢٤٣ هـ.
(٣) رواه ابن عدي (٥٣/ ٢ و٢٠٣/ ١) والسلمي في "آداب الصحبة" الصفحة (١٢) عن سعيد بن زيد بإسنادين واهيين عن أبي أمامة. ثم خرجته في "الضعيفة" (١٥٠٠، ١٦٤٢).
[ ٥٠ ]
الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه حياءً من الله ﷿:
كأن رقيبًا منك يرعى خواطري … وآخر يرعى ناظري ولساني
فما أبصرت عيناي بعدك منظرًا … لغيرك إلا قلت قد رَمَقَاني
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظة … لغيرك إلا قلت: قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة … على القلب إلا عَرَّجا بعناني
[ ٥١ ]