أطفأ نورك لهبي" (^١).
وفي "المسند" (^٢) عن جابر (^٣) عن النبي ﷺ: "لا يبقى بَرٌ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم" (^٤). حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم.
هذا ميراث ورَثِه المحبون من حال الخليل ﵇.
نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.
_________________
(١) رواه الطبراني وابن عدي وغيرهما بسند ضعيف ومنقطع. وقد خرجته في "الضعيفة" (٣٤١٣).
(٢) (ج ٣ ص ٣٢٨ - ٣٢٩) عن أبي سمية عنه، وأبو سمية مجهول كما قال الذهبي، وقد صححه هو والحاكم، وفيه نظر ليس هذا موضع بيانه.
(٣) هو الصحابي الجليل أبو عبد الله، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي المدني، أحد المكثرين عن رسول الله ﷺ وممن شهد العقبة، غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة. توفي ﵁ سنة ٧٨ هـ عن ٧٤ سنة.
(٤) يشير إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.
[ ٤١ ]
قال الجنيد (^١): قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء أشد مني؟. قال: أسلط عليك ناري الكبرى.
قالت: وهل نار أعظم مني وأشد؟ قال: نعم، نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين.
قفا قليلًا بها عليَّ، فلا … أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار جوى … أحرّ نار الجحيم أبردها
فلولا دموع المحبين تطفئ بعض حرارة الوجد لاحترقوا كمدًا.
دعوه يطفي بالدموع حرارة … على كبدٍ حَرَّى، دَعُوه، دعوه
_________________
(١) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، مولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، أصل أبيه من نهوند، وكان يعرف بالقواريري نسبة لعمل القوارير، وعرف بالخزاز لأنه كان يعمل الخز. عده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصونًا من العقائد الذميمة. ومن كلامه: طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. وليس كل من ادعى الانتساب إليه على طريقته. توفي ﵀ سنة ٢٩٧ هـ.
[ ٤٢ ]
سَلُوا عاذليه يعذروه هنيهة … فيا لعذل دون الشوق قد قتلوه!
كان بعض العارفين، يقول: أليس عجبًا أن أكون بين أظهركم وفي قلبي من الاشتياق إلى ربي مثل الشّعَل التي لا تنطفئ؟! ..
ولم أر مثلَ نار الحب نارًا … تزيد ببعد موقِدِها اتِّقادًا
* * *
ما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا هَمّ في غيره.
وفي الحديث: "من أصبح وهَمّهُ غير الله فليس من الله" (^١).
قال بعضهم: من أخبرك أن وليه له هَم في غيره فلا تصدقه.
وكان داود الطائي (^٢) يقول: همك عطّلَ عليَّ الهموم،
_________________
(١) ضعيف جدًّا، وقد خرجته في الأحاديث الضعيفة (٣١٠ - ٣٠٨)
(٢) هو أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي، كان في أيام المهدي العباسي، أصله من خراسان، ومولده الكوفة، رحل إلى بغداد فأخذ عن أبي حنيفة وغيره وعاد إلى الكوفة فاعتزل الناس ولزم العبادة إلى أن مات فيها ﵀ سنة ١٦٥ هـ. وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه.
[ ٤٣ ]
وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق (^١) مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب ..
ما لي شغل سواه، ما لي شغلُ … ما يصرف عن هواه قلبي عذلُ
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل؟ … مني بدل ومنه ما لي بدلُ!
إخواني: إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قوله ﷺ: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرَّمه الله على النار" (^٢).
فأما من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر سوى الله، فمن قلة الصدق في قولها.
_________________
(١) أوبق مني اللذات: أي حبسها أو أهلكها.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٣) وأبو عوانة (١/ ١٦) وأحمد (٥/ ٣١٨) عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وزادوا: "وأن محمدًا رسول الله" لكن ليس عندهم: "صادقًا من قلبه" وإنما هو عند أحمد (٥/ ٢٢٩) من حديث معاذ نحوه. وسنده صحيح.
[ ٤٤ ]
من صدَقَ في قول: لا إله إلا الله، لم يحبّ سواه، ولم يرج سواه، ولم يخشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يُبق له بقية من آثار نفسه وهواه، ومع هذا فلا تظنوا أن المحب مطالب بالعصمة، وإنما هو مطالب كلما زَل أن يتلافى تلك الوصمة.
قال زيد بن أسلم (^١): إن الله ليحبُ العبدَ حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك (^٢).
_________________
(١) هو أحد الأعلام الإمام الفقيه العابد أبو عبد الرحمن زيد بن أسلم العدوي، يروي عن أبيه وعن ابن عمر وجابر وعائشة، سئل عنه عبيد الله بن عمر فقال: ما أعلم به بأسًا إلا أنه يفسر القرآن برأيه، توفي ﵀ سنة ١٣٦ هـ.
(٢) إنما أحب الله عبده هذا الحب لإقبال العبد عليه بكليته وفنائه في عبوديته، فلو أطلق له السراح وترك والمباح، لما فعل إلا ما يحبه الله، وهذا يذكرنا بصفوة الصحابة من أهل بدر الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: "لعل الله أطلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". رواه البخاري.
[ ٤٥ ]