- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر فأظهر. وغيره عجز فأضمر. وذلك: أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم: رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده: ما يهواه ويريده.
قال تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفُرْقَان: ٤٣] " (^١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعا للرسل: أمر بما أمروا به. ودعا إلى ما دعوا إليه. وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه. فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى. وهذا قصده في نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله.
وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك: فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود. فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. فمن طلب أن يطاع دون
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٧.
[ ٢٢٩ ]
الله: فهذا حال فرعون. ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادايحبونهم كحب الله. والله ﷾ أمر: أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يكون الدين إلا له وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه. وأن لا يتوكل إلا عليه ولا يستعان إلا به.
فالمؤمن المتبع للرسل: يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله لله لا له. وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك: أحبه وأعانه وسر بوجود مطلوبه. وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا فيرى أن عمله لله وأنه بالله. وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها. فإن فيها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥]. فالمؤمن يرى: أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله. لأنهإياه يستعين. فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا. لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإِنسَان: ٩] ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه. فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان. وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص. فعليه هو: أن يشكر الله. إذ يسره لليسرى. وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك. ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه
[ ٢٣٠ ]
وتعظيمه أو نفع آخر. وقد يمن عليه. فيقول: أنا فعلت بك كذا. فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه. ولا عمل لله ولا عمل بالله. فهو المرائي. وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٤] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٥] " (^١).