- قال الإمام ابن حبان: "الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وهو قرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله -جل وعلا- من صحة قلبه حتى كان الله -جل وعلا- بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (^٢).
- قال ابن تيمية: "والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواهحلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البَلَد: ١٧] وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه.
_________________
(١) مدارج السالكين، (١/ ١٧٧).
(٢) روضة العقلاء - صفحة (٢٠٩).
[ ٢٥٥ ]
والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ١٥١]. وكما قال الله ﷻ في قصة الخليل ﵇ ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأَنْعَام: ٨٠] إلى قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢]. وفي الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلةتعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" (^١).
فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به الشرك الأكبر كالعبادة قال الخليل: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨١] يقول: إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٦).
[ ٢٥٦ ]
وقال ابن تيمية: "فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب، ويكون في أعمال القلب؛ ولهذا قال الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو التصديق، فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله، وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله، والتوكل من تمام التوحيد" (^١).
قال ابن تيمية: "والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع، فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب، بمعنى أنه لا يطمئن إليها، ولا يثق بها، ولا يرجوها، ولا يخافها؛ فإنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه، وما ثم سبب مستقل بالإحداث إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء خلقه بالأسباب التي يحدثها ويصرف عنه الموانع، فلا يجوز التوكل إلا عليه" (^٢).
- قال الإمام ابن تيمية ﵀: "كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته مما سواه" (^٣).
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يُوسُف: ٧٦]. " … وفيها تنبيه على أن المؤمنَ المتوكّلَ على الله
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٤٠.
(٢) منهاج السنة ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٨٤.
[ ٢٥٧ ]
إذا كاده الخلقُ فإنّ اللهَ سبحانه يَكيِدُ له وينتصِرُ له بغير حول منه ولا قوة" (^١).