عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أَولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (^٣).
- قال النووي: "قال جمهور العلماء معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف، فقوله: «ودينهم واحد» أي أصول التوحيد، أو أصل طاعة الله تعالى وإن اختلفت صفتها، أو أصول التوحيد والطاعة جميعا" (^٤).
فآفاد الحديث أن الأنبياءَ كلَّهم على دين واحد هو دين الإسلام فكلُّهم دعَوا إلى عبادة الله وحده وعدمِ الإشراك به شيئًا والتصديقِ بأنبيائه، ولكنَّ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) كتاب معنى لا إله إلا الله للزركشي ص: ٨٧.
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥).
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ١٢٠.
[ ٧٠ ]
شرائعَهم مختلفةٌ أي الأحكام.
فالمرسلين قاطبة يَنتسِبون إلى أصلٍ واحد، هو الدين القيِّم، الذي ارتضاه الله لنفسه، وشرَعه لعبده، ثم وصَّى به رُسله، وكتب ألا يَقبَل غيره، وألا يجزي إلا به، وتعاقب الأنبياء على هذا الدين الحق، الذي أصوله: توحيد الله وتنزيهه.
- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُمُ صَدِّقا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١]، بما أنزلت في القرآن مصدقا لما معكم من التوراة. يعني أن القرآن مصدق لما في التوراة من التوحيد ونعت محمد" (^١).
- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأَنبِيَاء: ٩٢]، أي: وحدوني، وحقيقة معنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها، ويقال: معنى الآية: أنكم خلق واحد وكونوا على دين واحد" (^٢).
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "واختلف المتأولون في معنى قوله ﷿ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ [المَائِدَة: ٤٨].
_________________
(١) تفسير السمعاني ١/ ٧١.
(٢) تفسير السمعاني ٣/ ٤٠٧.
[ ٧١ ]
- فقال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ (ت: ١١٨ هـ)، وجمهور المتكلمين: المعنى «لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجا» أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك.
وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأَنْعَام: ٩٠] فهذا عند العلماء فيالمعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (^١).
- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٣] "المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول" (^٢).
- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "اختصاص كل أمة بشرعة إنما هو في فروع التكاليف، أما
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) الإشارات الأصولية إلى المباحث الإصولية ص: ١٩١.
[ ٧٢ ]
التوحيد ونحوه من أصول الديانات فالشرائع فيه واحدة" (^١).
- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه " (^٢).
- قال محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "والذي ظهر لي: أن بعثة الأنبياء كلهم عامة في حق التوحيد كما صرح به ابن دقيق العيد (ت: ٦٢٥ هـ) ﵀، بمعنى أنه يجوز لهم أن يدعو إليه من شاؤوا سواء كانوا مبعوثين إليهم أم لا. ويجب على القوم إجابة دعوتهم ولا يسع لهم الإنكار بحال، فإن أنكروا استحقوا النار" (^٣).
- قال ابن تيمية: "فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به" (^٤).
_________________
(١) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٢١٩ ..
(٢) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب "الجزء الأول" ص: ٢٩٣.
(٣) كتاب فيض الباري على صحيح البخاري ١/ ٢٨٠.
(٤) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.
[ ٧٣ ]