قال تعالى: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشُّورَى: ١٣].
- قال الطبري: "ودين الإسلام الذي تمسك به الأنبياء جميعهم ﵈ ودعوا إليه هو توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه" (^١).
والدين الذي أمر الله سبحانه الأنبياء بالاجتماع عليه والتمسك به هو دين واحد وهو دين الإسلام.
- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ أي: اثبتوا على التوحيد" (^٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ٥١ - ٥٣].
ومعنى الأمة هنا: الدين (^٣) أي دينكم يا معشر
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٦٧).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٦٧).
(٣) انظر الفرقان بين الأولياء الرحمن وأولياء الشيطان ضمن مجموعة التوحيد (٢/ ٥٩٤) وانظر الفتاوى (٣/ ٦٤).
[ ٧٤ ]
الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (^١).
- يقول عبد الله بن عباس قوله تعالى: وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً يقول: دينكم دين واحد" (^٢).
- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "ومعنى الأمة هنا: الدين (^٣) أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (^٤).
- قال ابن تيمية: "الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿*وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِئَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يُونُس: ٧١ - ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠ - ١٣٢]، وقال عن موسى: ﴿وَقَال مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يُونُس: ٨٤]، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المَائِدَة: ١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المَائِدَة: ٤٤]، وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٢/ ٨٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٩).
(٣) انظر: الفرقان بين الأولياء الرحمن وأولياء الشيطان ضمن مجموعة التوحيد (٢/ ٥٩٤) وانظر الفتاوى (٣/ ٦٤).
(٤) تفسير القرطبي (١٢/ ٨٦).
[ ٧٥ ]
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النَّمْل: ٤٤].
فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده.
وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة. والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد" (^١).
- قال ابن القيم: "التوحيد كل التوحيد أن يشهد كل شيء دليلا عليه، مرشدا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد" (^٢).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]، أي لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد والإيمان، ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا لا يأتون الزكاة
_________________
(١) الرسالة التدمرية ١/ ١٦٨ - ١٧٠.
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.
[ ٧٦ ]
لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه هو أعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها الأمم" (^١).
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشُّورَى: ١٥]، اللام في قوله: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزَّلْزَلَة: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع" (^٢).