قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَ ا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢].
فالتوحيد أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على عباده حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله ﷿ قدّم نعمة التوحيد على كل نعمة.
- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "أمرهم الله ﷿ أن ينذروا الناس، فقال: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢]، يعنى فاعبدون" (^٢).
- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مع تخويفهم إن لم يقروا ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ بالتوحيد والطاعة" (^٣).
- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٢/ ١٩ - ٢٠.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٢).
(٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النحل: الآية: ٢).
[ ١١٥ ]
والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد، وعالم الدنيا والآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن" (^١).
- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية وسعادة هذه القوة في الإنباء بالأعمال الصالحة وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله ﴿فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النَّحْل: ٢] على كمالات القوة العملية وهي قوله: ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ " (^٢).
- وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "سميت هذه الكلمة بكلمة التقوى: هو أن هذه الكلمة واقية لبدنك من السيف، ولمالك من الاستغنام، ولذمتك من الجزية، ولأولادك من السبي، فإن انضاف القلب إلى اللسان صارت واقية لقلبك عن الكفر، وإن انضم التوفيق إليه صارت واقية لجوارحك عن المعاصي" (^٣).
_________________
(١) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).
(٢) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).
(٣) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٠.
[ ١١٦ ]
- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: "والآية تدل على التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية" (^١).
- قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "وقد أحاطت جملة ﴿أَنْ أَنذِرُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ بالشريعة كلها، لأن جملة ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية.
وجملة ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية" (^٢).
- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها" (^٣).
- قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀: "إن القلب إذا صفت مقاصده لله، وصفت معلوماته مما سواه، وانحشى بوحيه العزيز، وانشغل بذكر
_________________
(١) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة النحل: الآية: ٢).
(٢) تفسير ابن عاشور (سورة النحل: الآية: ٢).
(٣) تفسير بن سعدي (سورة النحل: الآية: ٢).
[ ١١٧ ]
أسمائه الحسنى متدبرًا معانيها ومشتقاتها، ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها؛ صفت موارده لخلوص مقاصده، فصار سليمًا، وفي حصن حصين من غزو أعدائه شياطين الإنس والجن الفكري ومن همزاتهم. فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته؛ حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله" (^١).
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العبد عليه حقان:
حقٌ لله ﷿، وحقٌ لعباده.
ثم الحق الذي عليه لا بد أن يُخِلَّ ببعضه أحيانا؛ إما بترك مأمور به، أو فعل منهيّ عنه، فقال النبي ﷺ: «اتق الله حيثما كنت» وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية، ثم قال: «واتبع السيئة الحسنة تمحها» فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرًا أمره بما يصلحه.
والذنب للعبد كأنه أمر حتم؛ فالكيّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات" (^٢).
- قال ابن تيمية ﵀: "التقوى: هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه، فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال النافع، وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضًا استعمالًا لضار، فلا يكون صاحبه من المتقين" (^٣).
_________________
(١) صفوة الآثار والمفاهيم ١/ ٢١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٥٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٤.
[ ١١٨ ]